"بنك الدم"
ترجمة الهدهد يديعوت أحرنوت/ إليشع بن كيمون
كنا نرتدي سترات وخوذات وأسلحة، وبدأنا بالتحرك تجاه مشارف مدينة البيرة بالقرب من رام الله.. كنا قرابة 20 مقاتلاً من الكتيبة 202 في لواء المظليين ومعهم فريق " 7 أيام "... البرد قارس، لقد اجتزنا طريقا رئيسياً وأصبحنا نشاهد المباني السكنية عن قرب، الشارع كان لا يزال هادئا وسكانه نائمين.
الأنوار في المنازل مطفأة... الهدف كان بعيداً حوالي ثلاثة كيلو مترات مشياً على الأقدام.. عندما اجتزنا الطريق دخلنا إلى قطعة أرض موحلة مليئة ببرك المياه... مع كل خطوة كانت تصبح أقدامنا أثقل وممتلئة بالطين حتى خرجنا من هناك باتجاه طريق أسفلتية.
فجأة من الظلام ظهرت سيارة حمراء داخلها بعض الشبان الفلسطينيين الذين اكتشفونا، سائق السيارة سلط علينا اضواء السيارة العالية، وصاح قائد القوة بصوت هادئ: عودوا جميعكم إلى البستان، ربما في هذه اللحظة تم تحديد مصير المهمة، انطلق سائق المركبة مسرعا ثم استدار واختفى في أزقة المدينة.
أما نحن فواصلنا طريقنا إلى الهدف، تسللنا بين زقاقين إلى شارع جانبي، وتنقلت طليعة القوة من مبنى إلى مبنى، إلى أن اكتشفت المدخل المقصود حسب الصورة الاستخباراتية، وكان هذا مبنى يتكون من أربعة طوابق، قال لي قائد القوة مشيراً إلى المبنى: "الهدف في الشقة 11 في الطابق الرابع.
كانت قوتنا تنتظر عند مدخل المبنى، كدرس من حادثة سقوط المقاتل من كتيبة استطلاع جولاني "عميت بن إيغال" منذ ما يقرب من عامين، التصقنا بالمبنى خوفاً من إلقاء الحجارة علينا من فوق، وبعد بضع دقائق تم استدعاؤنا للدخول إلى المبنى، في المبنى أربع شقق على الأقل في كل طابق.
كانت هناك الكثير من الفتحات التي يجب تغطيتها، سلالم المبنى واسعة ومصنوعة من رخام الخليل، الجدران لا تزال بدون دهان، العمل هناك لم ينته ويبدو أن المبنى لا يزال قيد الإنشاء.
وقامت قوة الاقتحام بقرع باب الهدف، وبحسب المعلومات الاستخبارية كان الهدف ناشط من حركة حماس يتملك في منزله نحو 100 ألف شيكل مخصصة لدعم الإرهاب، لا أحد يرد، كان يتواجد حوالي 12 مقاتلاً داخل المبنى ونحن معهم، فالبقية كانوا يغطون علينا من الخارج، وفتح لنا الباب جار الهدف وهو رجل في الخمسينيات من عمره وكان بملابس النوم وأتت زوجته أيضاً إلى الباب.. "هل تعرف أين جارك؟ "سأله قائد القوة، فأجاب: لا أعرف من يعيش هنا، حاول المقاتلون استجوابه عدة مرات لكنه لم يقل كلمة واحدة.
انتقلنا إلى الشقة المجاورة حيث فتح لنا الباب ساكن آخر، رفع يديه وقال اسمه وأضاف: لا أعرف من يعيش في هذه الشقة.
في نفس الوقت، تم تلقي بلاغ على جهاز الاتصال عن أعمال شغب في الشارع على بعد أمتار قليلة منا، الآن أصبحنا نعمل في الوقت الضائع وكان يجب ان نتحرك، استمر الاستجواب مع مستأجر آخر ولكنه لم يحقق أي تقدم.
قرر قائد القوة إنهاء المهمة، نزلنا إلى الزقاق الذي أتينا منه حيث تجري أعمال شغب، أطلق أحد المقاتلين عدة قنابل غاز، وتحت غطاء الغاز انتقلنا إلى الجانب الآخر وبدانا في العودة، بعد ذلك بالضبط بدأت سيارات من المنطقة في محاصرتنا، كانوا يسرعون ويتوقفون، وبدأوا أيضاً يصرخون لقد كانت أجواء غير مريحة، الشارع بأكمله استيقظ، أصبحنا معهم في كر وفر مثل لعبة القط والفأر والسيارات تحيط بنا من حولنا، على أحد الطرق كانت السيارة الحمراء التي رأيناها من قبل تقف على بعد حوالي 50 متراً مننا، للاستعداد لأي شيء قد يحدث ترك أحد القادة الرصاصة في بيت النار جاهزة للإطلاق ومصوبة تجاه السيارة، كما أنه أضاء تجاهها بمؤشر ليزر أخضر اللون، كان يؤشر أحياناً على السيارة وأحياناً على وجه السائق الذي قد يقوم بدهس القوة.
واصلنا طريق العودة، مرة أخرى دخلنا البستان مع الطين، ومرة أخرى كانت نفس الطرق التي يجب أن نجتازها ونعود منها إلى القاعدة.
وصلنا القاعدة والقى الجنود أسلحتهم، وقال لهم قائد القوة، لم ننجح في المهمة، لم نعثر لا على المال ولا على الشخص، وسأل أحد الجنود لماذا يجب اعتقال الهدف، وما الغرض من المال، رد القائد: "المال مخصص للإرهاب وعلينا القبض عليهم".
هذه النشاطات مثل الغارة نفسها في ليلة البرد القارس في أوائل شهر آذار/ مارس في منطقة رام الله أصبحت تتكرر كثيراً في الأشهر الأخيرة، حيث أصبحت المعركة الاقتصادية جزءاً أكثر كثافة من العمليات المستمرة للجيش الإسرائيلي والمنظومة الأمنية، نعم، ما زالت هناك حواجز واعتقالات لمطلوبين ونشاطات مستمرة ضد الإرهاب المعروف - إرهاب السكاكين وارهاب الأسلحة الفتاكة والحجارة الخطرة، لكن هنا أدركوا أنه يجب مراقبة الأموال، أي اكتشاف وضبط ومصادرة الأموال المخصصة لمنظمات إرهابية.
يقول قائد الفريق الذي رافقناه، الملازم "غال بن شبات"، "أن هذا لا يبدو نشاطاً روتينياً لقوة قتالية تأتي إلى نشاط عملياتي، لكننا ندرك أن الاستيلاء على أموال الإرهابيين لا يقل أهمية عن "اعتقال الإرهابيين" أنفسهم، وهذه هي الطريقة التي يتم بها اقتلاع "المنظمات الإرهابية" من جذورها، إن الاستعدادات للنشاط تشبه إلى حد بعيد أي عملية اعتقال نقوم بها باستثناء شيء واحد فقط يتغير، وهو التدريبات ذاتها، على سبيل المثال عندما يتم الاستعداد لاعتقال مطلوب، يتم عمل نماذج فعلية للقتال، قوة تحاكي دور العدو وتقوم في الواقع بمحاكاة اعتقال أحد الإرهابيين من منزله، "عندما يتعلق الأمر بالبحث عن أموال الإرهابيين - أو أسلحة فإن النقاش في الاستعدادات يدور حول عمليات التفتيش والغرف الموجودة، لذا فإن الوقت يطول.
إن مسار الأموال شبه ثابت - فهذا يبدأ عادة من تركيا التي أصبحت قاعدة لنشاط حماس، ومن هناك تصل إلى غزة وبقية المناطق الفلسطينية الأخرى، فمبالغ صغيرة وكبيرة تأتي على دفعات من قبل كبار ممولي الإرهاب لتصل إلى الإرهابي الذي يخرج لتنفيذ الهجوم ومساعده وعائلته وآخرين، حيث يمكن أن يؤدي تعطيل وصول الأموال في أي مرحلة من هذه العملية إلى منع أو على الأقل تأخير تنفيذ الهجوم على الأرض.
مقر حماس يتوجد في تركيا منذ سنوات عديدة، ويدير قادة التنظيم من هناك جهاز التمويل، في الأسبوع الماضي فقط كشف جهاز الأمن العام "الشاباك" بالتعاون مع شرطة منطقة القدس ومكتب المدعي العام في القدس أن ممثل حماس في شرق المدينة قد سافر مؤخراً إلى تركيا مع ابنيه، حيث التقى الثلاثة هناك بقادة حماس وقاموا بنقل الأموال من أجل إقامة بنية تحتية لحماس في القدس الشرقية، كان هدفهم تنفيذ "عمليات إرهابية" في شهر رمضان.
وبحسب لائحة الاتهام المقدمة ضدهم، فإن الثلاثة أجروا تدريبات على الأسلحة الحية على الأراضي التركية قبل أسابيع قليلة من استقبال "الرئيس يتسحاق هرتسوغ" هناك في مراسم رسمية.
عادة ما يأتي المال من هناك ويصل إلى الضفة الغربية، وهنا يبدأ الجنود الذين يتدربون عادة عن البحث عن الأشخاص المطلوبين بالبحث عن حقائب المال.
يقول مصدر أمني: بالنسبة لنا المال مثل الهجوم، واحباط تحويل الأموال مثل أنك أحبطت هجوماً، فإذا كان الفهم في الماضي هو تدمير أكبر عدد ممكن من المخارط أو الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من الأسلحة فإن المال اليوم يكتسب مزيداً من الزخم، بالمال لا تحتاج إلى مخرطة، يمكنك فقط شراء أسلحة وتنفيذ هجوم، فالمال هو في الواقع الطريق الذي يربط قادة حماس بعناصر الحركة على الأرض.
وقال المصدر الأمني "في السنوات الأخيرة، شهدنا زيادة في الرغبة في الدفع لتنفيذ عمليات إرهابية في الضفة وإسرائيل، خاصة من قبل أولئك الأسرى الذين تم الإفراج عنهم ضمن صفقة شاليط، حيث أن المحرك للعملية في النهاية هو المال، ويقول المصدر الأمني، الناس يقولون لنا في التحقيقات - بما في ذلك في القضايا الأخيرة - إن الأموال أعمتهم، وحماس منشغلة باستمرار بإثارة التوتر في الضفة الغربية.
إن الهجمات الشديدة التي وقعت في الأيام الأخيرة في بئر السبع والخضيرة تندمج أيضاً في الصورة، وخاصة قبل شهر رمضان، فالقلق لدى المنظومة المؤسسة الأمنية هو أن حماس ستستغل سلسلة العمليات المميتة وتقوم أيضاً بتنفيذ عمليات مشابهة في الضفة الغربية.
يقول مصدر أمني أن حماس لا تهتم كثيراً بالانتماء التنظيمي لمنفذي الهجمات الإرهابية في بئر السبع والخضيرة، وعلى الرغم من ارتباطهم بالدولة الإسلامية، إلا أنهم يحاولون ركوب موجة الإرهاب، حماس من خلال المال - والكثير من المال - إلى جانب التحريض على الشبكات الاجتماعية ستعمل على استنهاض مجموعات ارهابية نائمة في مناطق الضفة الغربية دون أن تربط ما يحدث بغزة، في النهاية من أجل تنفيذ هجوم فأنت بحاجة إلى النية والمال الذي يوفر لك الوسائل للتنفيذ.
هذا نظام صعب ومعقد للغاية يتكون من الكثير من قطع المعلومات التي نتعلم كيف نقوم بتجميعها في صورة واحدة كاملة، كما يقول النقيب "د." رئيس قسم "أموال الإرهاب، حيث تم إنشاء القسم قبل خمس سنوات ولكن في العام الماضي كانت هناك قفزة في نطاق عمله.
تظهر المعطيات زيادة ملحوظة في العام الماضي مقارنة بالسنوات السابقة فيما يتعلق بمصادرة أموال الإرهاب في الضفة الغربية، في عام 2021 كان هناك حوالي 100 نشاط لكشف ومصادرة أموال الإرهاب في جميع أنحاء الضفة الغربية مثل هذا النشاط الذي شاركنا فيه مقارنة بـ 25 نشاطاً فقط في عام 2020، كما حدثت زيادة كبيرة في مقدار الأموال المصادرة.
وفي عام 2019 تمت مصادرة 972،560 ألف شيكل وفي عام 2020 تمت مصادرة 675،240 ألف شيكل وفي عام 2021 تمت مصادرة 11،386،270 مليون شيكل، وبحسب البيانات المنشورة هنا لأول مرة فقد تمت مصادرة 156،348،000 شيكل حتى الآن في عام 2022، وتعتبر منطقتي الخليل ونابلس الأكثر نشاطا من حيث حجم الأموال المصادرة.
كما حدثت زيادة في المصادرة لما يشار إليه في قسم أموال الإرهاب "بالثمين" أي في حالة وصول القوة إلى الهدف وعدم العثور على المال، فهناك يتم مصادرة ممتلكات بقيمة المبلغ المقصود.
وفي عام 2020 تم وضع اليد على 6 سيارات، وفي عام 2021 15 سيارة، وفي عام 2020 قمنا بوضع اليد على سيارتين، وبعد عام صادرنا خمسة، وهذه تقدر بمبالغ تتراوح من 80 ألف شيكل إلى 150 ألف شيكل لكل مركبة، وهذا يجعل المالك يفكر مرتين إذا كان يريد في المرة القادمة العمل مع حماس.
خلاصة القول.. كم هي المبالغ التي تتحدث عنها؟
اليوم حسب تقديراتنا، يتم تداول ملايين الشواكل في الضفة الغربية، كلها لحركة حماس، والحاجة إلى وضع أيديهم على أموال الإرهابيين لم تبدأ اليوم لكنها تزداد حدة والحاحاً، من حين لآخر يتم الإعلان عن عمليات استيلاء ومصادرة لأموال مخصصة لأنشطة إرهابية، خاصة لحركة حماس، في "إسرائيل" قبل أربع سنوات تم إنشاء "هماتال" – وهو المقر الوطني للحرب الاقتصادية الذي يعمل تحت إشراف وزارة الجيش – بالذات لأسباب قانونية وبسبب الساحة المعقدة للحرب الاقتصادية ضد الإرهاب.
داخل وخارج الخط الأخضر نعمل بنفس الطريقة، نقوم بصياغة صورة استخباراتية مفصلة قدر الإمكان ثم المضي قدماً في صياغة الرأي القانوني، والذي يتمثل التحدي فيه اجتياز اختبار المحكمة العليا، لكن على عكس "" وغزة فإن المناطق الواقعة خارج الخط الأخضر تعمل بموجب القانون العسكري والشخص المسؤول عن ذلك هو القائد العام للمنطقة الوسطى.
إن الاستيلاء على الأموال ومصادرتها هما في الواقع شيئان مُختلفان، فمن الناحية القانونية لا تستطيع الدولة ببساطة الاحتفاظ بالأموال.
يقول النقيب" د": أي أموال يتم الاستيلاء عليها وتكون مشمولة بمعايير قانون مكافحة الإرهاب وقانون تمويل الإرهاب لم تتم مصادرتها بعد، ولهذا لا يمكننا الاحتفاظ بها لفترة طويلة، ونحتاج إلى الركيزة الأخيرة لمصادرتها وهي قرار من قائد المنطقة الوسطى، ونادراً ما يحدث أن يتم الاستيلاء على الأموال وعدم مصادرتها، لكن كل التصورات تأتي بعد تجهيز مواد استخباراتية وقانونية كاملة حتى لا ندخل في موقف نصادر فيه الأموال دون سند قانوني، ووفقاً له لا يمكن مصادرتها إلا بعد توفر القدرة على إثبات أن الأموال جاءت أو تنتمي إلى منظمة إرهابية.
ويوجد هنا تحدٍ استخباراتي من الدرجة الأولى، فعلى عكس الأسلحة وهي غير مشروعة ويتم الاستيلاء عليه فإن المال مشروع ويمكن لأي شخص أن يتجول بأي مبلغ يريده في جيبه.
وبحسب مصدر أمني، فإن من يدفع الثمن هم الفلسطينيون الذين يُقبض عليهم في نهاية المطاف ومعهم المال، بالنسبة إلى نشطاء قيادة حماس الذين يعيشون خارج المنطقة سواء في قطاع غزة أو في مقرات الضفة الغربية في تركيا فإن تحويل الأموال لا ينطوي على أي مخاطر عليهم على الإطلاق.
من يخاطر ويدفع الثمن في حالة الاستيلاء على الأموال هو الفلسطيني الذي يستلمها، الذي لا يعرف دائماً ما الذي ينقله أو يحوله وما إذا كانت الأموال التي تلقاها مخصصة للإرهاب أم لا، بالإضافة إلى ذلك من الأسهل تجنيد شخص ما للعمل لديك مقابل المال، بمعنى آخر هناك فرصة أكبر بأن لا يوافق الشخص العادي بدون سجل جنائي على نقل أسلحة إلى أحد عناصر حماس، لكن نقل الأموال لن يكون مشكلة بالنسبة له، حيث لا توجد جريمة أو مخاطرة في التنقل مع المال.
إذن ما هي المخاطر على أي حال؟
إن الضرر مدمر للفلسطينيين لانهم عادة ما يكون هؤلاء رجال أعمال يعمل لديهم العشرات وربما المئات من العمال، وأضاف: "في حالة مصادرة الأموال يضرر المالك أيضاً من خسارة المال، ولكن أيضاً العشرات أو المئات من الموظفين الذين يعملون عنده يصبح مستقبلهم غامض عندما يكون مالك الأموال موقوفا في السجن أو يمضي عقوبة".
لفهم المعركة الاقتصادية ضد حماس وخاصة في الضفة الغربية نحتاج إلى العودة 22 عاماً إلى الوراء، إلى بنك صغير في قرية العيزرية الفلسطينية شرقي القدس، في ذلك الوقت استولى "الجيش الإسرائيلي" على مبلغ متواضع قدره 37000 شيكل كان مخصصاً لحركة حماس.
لكن الاستيلاء على الأموال من بنك العيزرية قاد إلى الاستيلاء على مبالغ أكبر بكثير، ففي شهر شباط 2004 داهمت قوات "الجيش الإسرائيلي" وجهاز الأمن العام والشرطة البنوك في رام الله في وضح النهار وصادرت حوالي 40 مليون شيكل كانت مخصصة لمنظمات إرهابية، وقال وزير الجيش آنذاك "شاؤول موفاز"، إن الأموال المصادرة ستوجه إلى مساعدات إنسانية للسلطة الفلسطينية، فيما ندد متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية بالعملية، وقال إنها قد تعرض النظام المصرفي الفلسطيني للخطر، فالعملية لم تتسبب في انهيار البنوك الفلسطينية، لكنها جعلت قادة حماس يفكرون في مسار أو طريق جديدة بديلة لإدخال الأموال، ومنذ ذلك الحين بدأوا العمل بأساليب مختلفة من أجل ضخ الأموال من جميع أنحاء العالم في الضفة الغربية، من بين أمور أخرى تم استخدام تمويه جمع الأموال للمنظمات "الخيرية"، والبضائع التي تدخل إلى غزة بطريقة مشروعة والتي كانت موجهة إلى البنية التحتية لحركة حماس في قطاع غزة، وكذلك من خلال تداول العملات عبر الإنترنت والودائع في ألعاب الحاسوب، لكن الطريقة الأكبر والأكثر شيوعاً هي من خلال شركات الصرافة.
تعمل شركات الصرافة الموجودة في الضفة الغربية وغزة وتركيا، بالطريقة القديمة المعروفة بالحوالة - وهو نظام غير رسمي لتحويل الأموال، لقد بنى قادة حماس نظاماً كاملاً قائماً على الثقة بين الصيرفة في مدن قطاع غزة والضفة الغربية وبالتالي تحويل الأموال، في بعض الأحيان يقومون بتمويل صفقات عقارية لرجل أعمال موجود في الضفة الغربية، وهو بدوره يقوم في وقت لاحق بتحويل الأموال مقابل ذلك إلى أحد عناصر حماس القريبين منه.
وبحسب مصدر أمني رفيع فإن حماس تحاول تشكيل بنية تنظيمية مهمة في المدن الفلسطينية في الضفة الغربية، سواء كان ذلك في تقديم الطعام للفقراء ومساعدتهم أو في تشكيل أطر عمل تطوعية، وذلك كله بهدف تنفيذ وتوجيه أعمال إرهابية، إنها تتحدى السلطة الفلسطينية والمال هو أكسجين كل هذا النشاطات.
يقول النقيب "د" تتطلب الحرب على شركات صرافة العملة العمل عن كثب مع المستشار القانوني ومع قيادة "الجيش الإسرائيلي"، أنت تتعلم بسرعة كبيرة المظلة القانونية والاقتصادية وما هو مسموح لك القيام به في هذه المعركة وما هو غير ذلك، ويقول نحن نجمع أي مواد قانونية يمكن أن تساعدنا والتي يمكن اللعب بها وبناء قضية.
ومن أبرز المفاهيم في هذا المجال النشاط ضد شركة صرافة "المقدس" - التي لها فروع في رام الله وطولكرم، لقد استغرق بناء القضية حوالي عام، حيث تم من هناك تحويل مبلغ 300 مليون شيكل على مدى عامين يقولون في وحدة محاربة أموال الإرهاب.
وبحسب المعلومات الاستخباراتية التي جمعها "الجيش الإسرائيلي" عملت حماس وشركة الصرافة باستخدام طريقة "التعويض" أو المقابل: حيث دفعت حماس في الخارج مقابل معاملات المستوردين الفلسطينيين وفي المقابل حصل نشطاءها في الضفة الغربية على الأموال من أولئك الموردين.
يقول النقيب "د" أدركنا أننا يجب أن نصل إلى شركة الصرافة في طولكرم، وأن العملية يجب أن تكون بضربة واحدة مفاجئة حتى لا نخسر المال، ولكن بعد ذلك اكتشفنا أن الشركة لديها مبعوث يقوم بنقل لأموال عبر معبر اللنبي إلى الأردن، جمعنا معلومات استخباراتية حول عملية نقل وألقينا القبض عليه في المعبر.
كان لديه ما يساوي 700 ألف شيكل بالدينار الأردني، عندما أمسكنا به اعترف على الفور لمن تعود الأموال واعترف على يعمل معهم، وعزز الصلة بين المال وحركة حماس، ولو لم يعترف لكنا في قصة مختلفة، في الوقت نفسه داهمنا شركة الصرافة في طولكرم حيث ووجدنا هناك 350 ألف شيكل أخرى وتم مصادرة الكل.
وأضاف: قمنا بصياغة ملف معلومات استخبارية وهم قدموا التماساً للمحكمة العليا في قضية ما زالت مستمرة حتى هذه الايام، ويمكننا القول أن الأموال استخدمت في نشاط تنظيمي وخاصة لتعزيز مكانة حماس على الأرض.
تعزيزها كيف؟
رايات ومظاهرات وخاصة ودعم الأيتام ورواتب النشطاء، هذا ملف جري فيه جمع المعلومات الاستخبارية لمدة ما يقرب من عام، وفي حالة أخرى تم الاستيلاء على حاوية تحتوي على حوالي 230 طناً من السكر بقيمة نصف مليون شيكل عند أحد معابر غزة، بعد أن عُرف أن أحد شركات الصرافة التي كانت على اتصال مع حماس متورطة في الصفقة، أي عملياً دفعت حماس في الخارج ثمن السكر إلى المستورد، لكن الأموال كانت مخصصة لأنشطة حماس.
وفقاً للنقيب "د" فمن المهم أن نوضح أن السعي وراء المال ليس من أجل المال المحدد، أي نفس الرقم التسلسلي للأوراق النقدية المحولة من الصراف إلى الناشط الإرهابي بل المبلغ ذاته، وأضاف لست مضطراً لمصادرة الورقة النقدية الملونة.
نحن جيدون بما يكفي لفهم وإثبات أن هذا الشخص يدفع أو يتلقى أموال من حماس، لذلك نصادر المبلغ الذي نعرف أنه حصل عليه، هذه مهمة صعبة للغاية وتتطلب الكثير من ساعات البحث المعقدة، جيل كامل من الضباط يعمل ليل نهار لربط طرفي الخيط إلى أن يتمكنوا من إثبات التهمة.
ومن أجل تعزيز الدعوى القانونية، تم مؤخراً في قسم أموال الإرهاب انشاء طواقم لذلك، "هذا صحيح ما لم يثبت العكس" حيث يتمثل دورهم في تحدي البنية التحتية القانونية التي تمت صياغتها - ودليل على أن مصادرة الأموال ليست دائماً الكلمة الأخيرة، وأنه غالباً ما تكون هناك معركة أخرى في المحاكم رداً على المصادرة، وتنتهي العديد من القضايا بالتماس إلى المحكمة العليا، وربما يكون هذا ضوء تحذير.
على الرغم من أن الكابتن (د) يدعي أنه ورجاله يصلون جاهزين للمحكمة ولديهم رد ضد أي التماس إلا أنهم في الجانب الفلسطيني يرون الأمور بشكل مختلف.
يهاجم المحامي أشرف ابو سنينة الذي يمثل عدداً غير قليل من المشتبه بهم الذين صادر الجيش أموالهم قائلاً: "أن جميع الجهات في إسرائيل تتعامل مع هذه القضية على النحو الذي تراه مناسبا لها، لا يوجد أي رقابة وليس لدينا القدرة على الدفاع عن أنفسنا ضد هذا".
وقال: "تدخل قوات الجيش منازل موكيلينا وتقول إنهم يريدون المال، ويقول الجنود للعائلة قبل أن نفتش من الأفضل لكم إخراج كل الأموال والأسلحة، والناس لا يفهمون القانون كثيراً ولا يتحققون من قرار المصادرة، ثم يبدأون في إخراج كل الأموال التي لديهم لأنهم يتعاونون ومتيقنين من أن الجيش لن يتعرض لأموالهم، ثم فجأة يقولون إن هناك نموذج بأمر المصادرة ويطلبون توقيع المالك عليها، وبعد ذلك أنا معهم اخوض معارك قانونية لإعادة أموالهم".
وفقاً للمحامي أبو سنينة فإنه حتى في المحكمة لا يُمنح الحق في الدفاع عن نفسه بشكل مناسب بسبب الإجراءات المعقدة، ويقول بعد أن يأخذوا الأموال يحق لنا تقديم استئناف في غضون 30 يوماً، وهناك لجنة من قاضٍ متقاعد يقوم بالفحص ويخبرني عن سبب الاستيلاء على الأموال، لكن المشكلة تكمن في أن هذا في معظم الحالات يكون تحت بند ملف سري، لا أستطيع على الإطلاق معرفة ما هو مكتوب فيه ولا أستطيع الدفاع عن نفسي، هل سمعت من قبل عن شيء من هذا القبيل؟
يستولون على المال ويقولون إنه بسبب الإرهاب، لكن في المحكمة تجد كل شيء سري، وأشرح للقاضي واقول له بأن المبلغ الموجود مع موكلي هو ثمن بيعه أرض لشخص آخر، وأحضر معي كل إثباتات البيع، لكن القاضي يقول إنه ملف سري ثم يرفض الطلب.
وهنا يصبح الأمر قليلا أكثر تعقيداً، بعد الخلط بين الضبط والمصادرة، كما ذكرنا فإن الأموال التي تم الاستيلاء عليها لا تعتبر أموالاً مصادرة، والأموال المستولى عليها يمكن الاستئناف عليها أمام قائد المنطقة، ولكن لا يمكن تقديم استئناف إلى محكمة العدل العليا إلا بعد مرور الأموال عبر عملية المصادرة.
هل تفهم هذه السخرية، على أن أنتظر فقط بعد صدور أمر المصادرة وهو الأمر الذي يستغرق بضعة أشهر، ثم تجري مناقشة في القضية وحتى هناك يزعمون أنهم يقومون بفحص المواد خلف أبواب مغلقة وبحضور جانب واحد فقط، ودون أن أكون متواجداً في قاعة المحكمة على الإطلاق وبالأغلبية المطلقة يتم رفض التماساتنا.
كما يدرك أبو سنينة النقلة الكبيرة التي حققتها المنظومة الأمنية في تعقب أموال الإرهاب والجهود المبذولة للسيطرة عليها، في بعض الأحيان كما يقول، تكون هذه مبالغ صغيرة عن قصد.
يقول أنا شخصياً تعاملت مع أكثر من نصف مليون شيكل من كل مكان، من الخليل ونابلس ورام الله وجنين، ولدي زبائن في كل مدينة تقريباً، هذه الظاهرة آخذة في الازدياد في الآونة الأخيرة، بدأوا في الاستيلاء على المال بشكل مفرط، أحصل على نماذج مصادرة كل يوم، وليس فقط لمبالغ كبيرة، بالأمس فقط تلقيت نموذج مصادرة بقيمة 1،200 شيكل من "بيت تسوريف"، وليكن في علمك أن الالتماس إلى المحكمة العليا وحده يكلفني 1،900 شيكل، اذا فما الأفضل، أن تدفع 1،900 شيكل لكي تحصل على 1،200؟، انا أقول إن جهاز الأمن العام يستفيد من قانون محاربة الإرهاب الذي يسمح بالاستيلاء على الأموال.
من ناحية أخرى، تدعي المنظومة الأمنية أن الجيش يقوم فقط بنشاطات للاستيلاء على مبالغ كبيرة من المال، ولكن إذا تم العثور على مبلغ صغير يتم مصادرته أيضاً، وحسب قوله فإن "الجيش الإسرائيلي" يتعاون مع السلطة الفلسطينية في هذا الشأن، كلاهما معاً ضد العدو المشترك - حماس، من واقع خبرتي فإن بعض الحالات التي تعاملت معها جاءت من السلطة الفلسطينية، ومن الواضح تماماً أن هذا ينظم الأموال أيضاً لدى السلطة الفلسطينية أمام حماس.
تثير هذه النقطة انتقادات أخرى تأتي من اتجاه مختلف تماماً: من أهالي ضحايا الإرهاب، هناك راضون بالطريقة التي تنقض فيها المنظومة الأمنية على أموال الإرهاب وتصادرها، لكن تجد صعوبة في فهم سبب توجيه كل التركيز على حماس، وليس على المنظمات الأخرى الأصغر.
في 23 آب / أغسطس 2019، سار "إيتان شنراف" وولداه "دفير ورينا" إلى نبع داني في منطقة بنيامين، ومع اقترابهم من النبع فجر فلسطيني عبوة ناسفة قوية قتل منها الطفلة رينا البالغة من العمر 17 عاماً وتم استدعاء العديد من القوات إلى مكان الهجوم الصعب، وفتح جهاز الأمن العام تحقيقا في الحادث حيث كشف عن شبكة متشعبة من عناصر الجبهة الشعبية الذين حاولوا تعميق جذورهم في مناطق الضفة الغربية.
واسأل أين مطاردة أموال تنظيم الجبهة الشعبية؟ لماذا هم يعملون فقط ضد حماس؟
يتسائل المحامي "موريس هيرش"، الذي يمثل العائلة والذي كان هو نفسه مدعياً عسكرياً كبيراً سابقاً.


