مسلخ غزة
شبكة الهدهد
عودة بشارات - هارتس
في الأيام العادية، يُقتل ما بين 40 و50 شخصًا في قطاع غزة. أما في أيام "الموت السريع"، فيكون الحصاد أكبر بكثير، حيث يصل إلى 100 أو حتى 150 قتيلًا. لا يُنتج أي مسلخ جثث هذا العدد الضخم. ووفقًا لوزارة الصحة في غزة، منذ 18 مارس/آذار 2025 - عندما استؤنفت الهجمات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار - قُتل ما لا يقل عن 7261 شخصًا في القطاع، وأصيب ثلاثة أضعاف هذا العدد.
بحسب التعريف المتعارف عليه، فإنّ من قُتلوا في قطاع غزة، كسائر الناس، وُلدوا على صورته. وهذه مشكلةٌ بالفعل، لأنّ قتل من وُلدوا على صورته خطيئةٌ عظيمة. فإذا قُتِلَت صورة الله، فالأرجح أن الله يُفارق قلب القاتل. هذه معضلة ليست سهلة، لكنني أفترض أنها ستُصحَّح، ولن يمرّ وقت طويل قبل أن يُنشأ تمييزٌ أصيلٌ يُفسِّر أنه ليس كلُّ إنسانٍ "مولودًا على صورته" تمامًا؛ فبعضُهم وُلِد على صورة الله، وبعضُهم وُلِد على صورة شيطانٍ ما. في هذه الحالة، يجدر التوضيح: على أيَّة صورةٍ وُلِد العماليقيون؟
حسنًا، العمل جارٍ لحل هذه المعضلة. في القاموس الإسرائيلي الجديد، الذي يتطور بوتيرة متسارعة، تُضاف أوصافٌ جديدةٌ تهدف إلى فصل الله عن صورته. ووفقًا للتعريفات الجديدة، فإن الفلسطينيين بعيدون كل البعد عن صورة الله؛ إذ يُطلق عليهم "إرهابيون"، و"قتلة"، و"أبناء الموت"، و" لا يوجد أبرياء في غزة ". قبل فترة ليست ببعيدة، كان هناك مصطلحٌ لامعٌ هو "ذوات الأرجل"؛ ويبدو أنه بسبب خطأ بيولوجي فادح، اعتُبر الفلسطيني إنسانًا.
اللغة العبرية تزدهر، وصناعة تشويه سمعة الشعب الفلسطيني تكتسب زخمًا متزايدًا. يكفي مشاهدة القناة 14 - القناة غير الرسمية للحكومة الإسرائيلية - لفهم ما يجري. ومع ذلك، تظهر هنا وهناك مشاكلٌ صعبة. مسلخ غزة يفتقر إلى المرافق اللازمة لاستيعاب هذا العدد الهائل من المذبوحين، مما يُسبب مشاكل صحية خطيرة. وتتحدث الصحف عن كلاب تنهش جثث الضحايا الفلسطينيين. يا للعار، هل هذه دولة حديثة أم من دول العالم الثالث؟ أين منظمات رعاية الحيوان؟ كيف وصلنا إلى هذا الوضع، حيث تبحث الكلاب عن غذائها في حقل من الجثث؟ قريبًا، كما يُفترض، سيُطلب من الهيئة الطبية إيجاد حلول مبتكرة لهذا الخلل المُشين.
لكن يجب أن نركز أولاً. فسماع خبر مقتل مئة فلسطيني في الأخبار لا يغني عن رؤيتهم. إن مجرد مشاهدة الحدث لا يعكس الواقع، بل إن مجرد الشعور بشدته لا يعكس الواقع. إن قول "مئة قتيل" مجرد هواء يتسرب من فم إلى فم ويتلاشى بسرعة. مع أن الفيديو يترك انطباعًا أقوى، إلا أنه لوصف الجحيم بدقة، من الأفضل للصحفيين أن يزوروا الميدان ليروا أطرافًا مبتورة، ودماءً تسيل، ويدًا معلقة على جدار، لمن هذه اليد، ولمن الساق المبتورة. لم يعد هذا الرأس رأسًا، وصرخات ألم مبرحة، أي أن يعيشوا وسط عرض للأطراف المبتورة، ويلاحظوا أن الرمال تحتها توقفت عن امتصاص الدم. اتضح أن الرمال الذهبية لم تخلق لهذه المهمة القاسية.
ويطرح سؤال آخر: كيف تُعالج مئة قتيل وجريح؟ هل يُمكنك التأكد من أن هذه جثة؟ أو ربما جريح، لا يزال يتنفس؟ علاوة على ذلك، يُعرف قطاع غزة بأنه من أشد المناطق حرارة؛ يُمكن للمرء أن يتخيل ما تفعله الحرارة بالجثث، وبالدم المُتخثر، وبالجروح التي تُغطيها أسراب الذباب والبعوض، إنه جحيمٌ هنا.
حقول القتل في قطاع غزة وحول العالم تُخيّم عليها أجواء نهاية العالم. كتب جوزيه ساراماغو في كتابه "سجلات دير" (ترجمة ميريام تيفون): "ولكي نخترع الجنة والنار، يكفي أن نعرف الجسد البشري". في قطاع غزة، وجد الجحيم مكانه، بينما بقيت الجنة بعيدة عن المنطقة.