شبكة الهدهد- كتب: عبد الله أمين

روى البيهقي في سننه الكبرى عن الإمام علي رضي الله عنه، وكرم الله سبحانه ووجه أنه قال: " كان نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا بعَث جيشًا من المسلمينَ إلى المشركينَ قال : انطلِقوا باسمِ اللهِ –فذكَرَ الحديثَ وفيه : ولا تَقْتُلُوا وَلِيدًا طِفلًا ولا امرأةً ولا شيخًا كبيرًا ، ولا تُغَوِّرُنَّ عيْنًا ، ولا تَعْقُرُنَّ شجرًة إلا شجرًا يمنعُكم قِتالًا أو يحجزَ بيْنَكم وبيْنَ المشركينَ ، ولا تُمثِّلوا بآدميٍّ ولا بَهيمةٍ ، ولا تَغدِروا ، ولا تَغُلُّوا".

ومع أن في سند الحديث إرسال وضعف؛ لكنه بالشواهد يقوى. والمراجع لتاريخ غزوات النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، والخلفاء الراشدين المهديين من بعده، يرى سلوكهم في غزواتهم وحروبهم، ما يجعل من هذا الحديث وما جاء فيه من تدابير قيادية؛ يجعل منه مجموعة من قواعد الاشتباك التي تنظم عمل وتشغيل القوات، وهو أمر للإسلام فيه قصب السبق على باقي الشرائع  والقوانين الوضعية، وما سبقه ـــ الإسلام ــ من شرائع سماوية.

لم تكن الحرب يوماً بلا ضوابط، ولا سياسات، ولا قواعد اشتباك، وإلّا لتحولت إلى صراع غاب، يخاض لا لهدف، ولا لغاية، وبلا أفق أو نهاية، ومن يرد شواهد فعليه بمراجعة " داحس والغبراء" ـــ أربعون سنة من الحرب بسبب تقدم فرس على فرس في السباق!! ــ  أو حرب "البسوس"، حيث قتل جساسٌ كليباً بقتله ناقة جار خالته البسوس (كيف لو قتل البسوس ذاتها)، لتشتعل نار حرب؛ قيل أنها امتدت أربعين عاماً، وقيل بضعاً وعشرون سنة!!

ثم جاءت القوانين والشرائع الوضعية بعد الحروب التي أزهقت ملايين الحيوات والأنفس، محاولة ضبط أعقد النشاطات البشرية، حيث يختلط النفسي المعنوي، بالمادي الفيزيائي، والغضب بالرضا والهدوء، والرحمة مع القسوة. ومن أمهات القواعد والقوانين والأعراف التي جاءت لضبط هذا السلوك البشري ما يلي:

  1. قاعدة الضرورة: بحيث يجب استخدام الوسائل الغير عنيفة حيثما أمكن، كما يجب استخدام القوة فقط لغرض شرعي يتمثل بإنفاذ القانون، ويجب استخدام الحد الأدنى من القوة الضرورية المعقولة في الظروف السائدة.
  2. قاعدة التناسب: تضع قاعدة التناسب سقفًا لما يرقى له الاستخدام القانوني للقوة، وفقًا للتهديد الذي يشكله فرد أو مجموعة من الأفراد، والجريمة التي ارتكبت، أو على وشك أن تُرتكب، بحيث تتناسب الأداة والإجراء، مع التهديد والخطر.  
  3. قاعدة الاحتياط والحذر: بناء على مبدأ التحوط؛ فإن الدولة ملزمة بتخطيط عمليات إنفاذ القانون، واستخدام وتشغيل القدرات، بطريقة تقلل إلى أدنى حد من خطر لجوء وكالات إنفاذ القانون، والمسؤولين عن تشغيل القدرات إلى القوة المميتة المحتملة، أثناء عمليات تشغيل القدرات، أو إنفاذ القانون.
  4. عرف عدم استهداف قيادات الصف الأول في الدول: وهذا عرف إجرائي يكاد يصل منزلة القواعد الآمرة في القوانين الدولية، والدساتير المحلية، بحيث لا يجوز التصرف خلافاً لها، فأنت إن قتلت الصف الأول في دولة العدو، أو الخصم؛ مع من سوف تتحاور؟ ومع من ستتفاوض؟ أوليست الحروب تختم بمفاوضات سياسية، تخوضها فرق تفاوضية، مفوضة من أعلى طبقة سياسية في دولها؟ فإن أنت استهدفت هذه الطبقة من المسؤلين؛ مع من ستجلس؟ ومع من ستتفاوض؟   
  5. عرف تأمين من يلوذون في المنشآت الدينية والصحية: فالأولى مقدسة بقداسة صاحبها، ولها في نفوس أهلا قداسة ومكانة، فلا يعتدى عليها، ولا على من يلوذون بها، والثانية محمية بما تقدمه من خدمات لمن يحتاج؛ بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو الملة، فقد تجد في أروقتها من جنود العدو وجرحاه من يتداوى، أو يتعالج، لذلك ذهب العرف على حمايتها، وعدم التعرض لها بسوء.

هذه بعض أهم القوانين والأعراف مرعية الإجراء عند أخذ قرار تشغيل القدرات، والذهاب إلى الحروب، وفي هذا تفصيل قانوني يطول، نتركه لأهل الفن والكار.

فإن تحلل المتحاربون، أو بعضهم من الأخلاق، والأعراف، والقوانين، التي تحكم سلوكهم، وتضبط نصال سيوفهم وحرابهم، وفوهات مدافعهم وبنادقهم، وأطلقوا العنان لغرائزهم، ونزواتهم، فلم يضبطها ضابط، ولم يردعها رادع، إن فعلوا ذلك؛ فإن الحروب تدخل في نفق مظلم لا يعرف ما يخفي داخله من مفاجئات، ولا تعرف له نهايات.

إن مقتضى العقل والمصلحة؛ الشرعية، والسياسية، والقانونية، تقتضي أن يلتزم المتحاربون بقوانين الحرب وأعرافها، ففي الالتزام مصلحة، وفي الانضباط فائدة.

ولكن ماذا إن انضبط طرف، وتخلى آخر؟ هل يصلح أن يبقى المنضبط منضبطاً، والممتنع ممتنعاً؟ أليس في إنضباط المنضبط، ما يغري المتهور المنفلت، فيزيد من (فلتانه)؟ ألا يفوّت المُنضبط فرصاً بنضباطه، قد يكون فيها تحقيقاً لهدف، أو منعاً لضرر، أو كبحاً لجماح جامح متهور غير مرعوي، يفسد الدين والدنيا!

إن كان في الحديث المتقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما يأمر بالانضباط، ويحث عليه، فماذا عن قول الحق سبحانه، موجهاً وآمراً بإذاقة الظالم المتجاوز من نفس مادة ما يذيق المظلوم، حيث قال سبحانه: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولن صبرتم لهو خيرٌ للصابرين" فَوجّه (بمثلية) العقاب، وإن كان سبحانه حث على الصبر والاحتساب. ثم ماذا عن قوله عز من قائل: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب"، فكانت عقوبة القصاص والتي تُلحَق بالظالم، عقوبة من جنس فعله؛ فالعين بالعين، والأذن بالأذن، السن بالسن، والجروح قصاص، فكانت هذه العقوبة سبباً في حياة؛ حياة الفرد المقتص له، وحياة للمجتمع المعتدى عليه، فلا تسول لأحد نفسه الاعتداء بعد ما رأى من عقوبة القصاص.

إننا ومنذ حرب "طوفان الأقصى"، وما تبعها من حرب إسناد من لبنان، إلى اليمن، وما تخلل هذا الموقف من اعتداء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وما ختم به العدو إجرامه من محاولة استهداف قادة المقاومة في قطر، وما يشنه على أهلنا في غزة منذ ما يقارب السنة من حرب تجويع وحصار، فاقت كل تصور، إننا أمام عدو صائل يفسد الدين والدنيا، لا ينضبط بضوابط، ولا تعنيه القوانين، ولا يعرف الأعراف، يرى (المنطق) في القوة، ولا تعنيه قوة المنطق! لا يعنيه شجبً ولا تنديدً، ولا رأي عام ولا مظاهرات، يرى في كل هذه المواقف والإجراءات؛ زوابع في فناجين، وصراخٌ في واد. وعليه: فاليصرخ الصاروخون، وليتظاهر المتظاهرون، ولتندد الدنيا وتشجب، المهم عنده ما يحققه من إنجازات على الأرض، وما يفرضه من وقائع على الجغرافيا؛ في غزة والضفة الغربية، وما يرسمه لنفسه من صورة في الإقليم والعالم.

أمام هذا الموقف، وهذا النوع من الأعداء، ليس هناك حلٌ سوى تطبيق قاعدة التماثلية في الإجراءات، والضوابط والسياسات، فلا يصلح أن تلعب بقوانين كرة القدم، مع لاعب يلعب بقوانين كرة السلة!. وهنا تحضر قاعدة القصاص لاهل الدم، والعقاب المماثل لعقوبة المُعتدى عليهم. إننا في زمان العدالة فيه مطلب الضعفاء! وتأديب المعتدي، و(باللغة) التي يفهم، والمنطق الذي يعي؛ طُلب المُعتدى عليهم والممزقي الأشلاء.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.