الجزرة السورية والعصا التركية
شبكة الهدهد
جوناثان أديري - يديعوت احرنوت
تُشكّل التطورات الدراماتيكية في سوريا، وإمكانية إبرام اتفاق أمني بين تل أبيب والنظام الجديد في دمشق، لحظةً حاسمةً لدولة إسرائيل. ظاهريًا، تبدو هذه فرصةً لتحقيق الاستقرار في حدودنا الشمالية وتحسين النظام الأمني بشكل ملحوظ، لكن نظرةً أعمق تكشف أن المفاوضات الحقيقية لا تُجرى مع دمشق، بل مع القوة الحقيقية التي تُحرّك الأمور من وراء الكواليس، أنقرة.
الصوت هو صوت يعقوب والأيدي هي أيدي عيسو. إن الاكتفاء بتسوية سورية وحده يعني تفويت فرصة تاريخية لتحويل النفوذ العسكري الذي خلقناه إلى خطوة استراتيجية واسعة: التطبيع مع تركيا في المدى القريب، وفتح المجال أمام تطبيع كامل مع سوريا على المدى البعيد.
من المهم فهم النفوذ الذي تتمتع به إسرائيل حاليًا. فعلى مدار الأربعة والعشرين شهرًا الماضية وحدها، غيّرت سلسلة من العمليات العسكرية الدقيقة والجريئة الخريطة الاستراتيجية في الشمال تمامًا. تضررت قدرات إيران وحزب الله على التمركز بشكل كبير، وتم تحييد البنية التحتية العسكرية بشكل منهجي، وفقد جيش الأسد المتفكك أي قدرة عملياتية ذات معنى.
ونتيجة لذلك، تتمتع إسرائيل الآن بتفوق استخباراتي وعسكري مطلق في الساحة، مسيطرةً فعليًا على القدرة على تثبيت أو زعزعة استقرار أي نظام مستقبلي في دمشق. هذا النفوذ هو المورد الرئيسي الذي تقدمه إسرائيل إلى طاولة المفاوضات.
لم يبقَ الفراغ الذي نشأ في سوريا فارغًا. فقد أدركت تركيا، بقيادة وزير خارجيتها خان فيدان الاستراتيجية، الفرصة ودخلت بقوة. ليس هذا التدخل في سوريا حدثًا معزولًا، بل هو جزء من سلسلة نجاحات باهرة تُرسّخ مكانتها كقوة إقليمية.
ففي ليبيا، تدخلت عسكريًا وحصلت على حكومة موالية لها واتفاقية اقتصادية بحرية. وفي الصومال، عززت وجودها وحصلت على منفذ إلى الموانئ والموارد. وقبل أسابيع قليلة، كشفت شركة المعادن الوطنية التركية عن اكتشافها حقلًا نفطيًا بقيمة تريليوني دولار قبالة سواحل الصومال.
ويُعدّ صعود وكيل تركي إلى السلطة في دمشق استكمالًا لـ"مثلث النفوذ" الذي يسمح لأنقرة بتثبيت حدودها الجنوبية والدخول في ساحات أخرى، لا سيما المجال البحري في البحر الأبيض المتوسط.
بالتوازي مع تعزيز مكانتها الإقليمية، لا ينبغي تجاهل موقف تركيا القوي في واشنطن. فرغم اختلاف الآراء، تعتبر الإدارة الأمريكية أنقرة شريكًا حيويًا وعضوًا رئيسيًا في حلف الناتو. وتوضح التصريحات الأخيرة لكبار المسؤولين الأمريكيين هذا الأمر جليًا.
هذا الأسبوع، على هامش الجمعية العامة، وصف كبير المستشارين ستيف ويتكوف اجتماعه مع الرئيس أردوغان بأنه "شرف عظيم لمناقشة القضايا الإقليمية الجوهرية مع قائد ذي رؤية"، وأكد المبعوث الخاص توم براك أن "الحوار البناء مع حلفائنا الأتراك هو مفتاح الاستقرار من البحر الأسود إلى بلاد الشام".
يمنح هذا الوضع أنقرة حرية سياسية واسعة، ويوضح أنها طرف ينبغي على إسرائيل السعي إلى تعاون عميق معه، لا إلى مواجهة. حتى قبل اجتماع ترامب وأردوغان، كان هناك نقاش حول عودة تركيا إلى برنامج شراء طائرات إف-35.
تُتيح الظروف الراهنة فرصةً نادرةً لطي صفحة العلاقات. فإلى جانب مصلحة تركيا في الهدوء على حدودها الجنوبية، تجمع إسرائيل وتركيا مصالح مشتركة واسعة وعميقة، ويمكنهما، بل وينبغي، أن يكونا حليفين استراتيجيين.
فكلاهما يشتركان في طموحٍ لكبح الهيمنة الإيرانية، وكلاهما دولتان مواليتان للغرب في بيئة متقلبة، على الرغم من أن تركيا أوضحت في السنوات الأخيرة أنها تتجه نحو الهيمنة الإقليمية الإسلامية بدلاً من التكامل مع الاتحاد الأوروبي، ويمكن لكليهما الاستفادة بشكل كبير من التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والتكنولوجيا.
سيُشكل هذا التحالف محور استقرار وقوة في الشرق الأوسط، وسيخدم مصالح كلا البلدين والولايات المتحدة. قبل أن نصل إلى ذلك، يجب أن نُخلي الطاولة ونُكمل عملية تطبيع كاملة.
لذلك، فإن أي اتفاق مع السوريين، يكون هدفه الوحيد "الهدوء"، هو في الواقع هبة لتركيا تُمكّنها من مواصلة استراتيجيتها دون أي تعويض. والطريق الصحيح هو توسيع نطاق النقاش. على إسرائيل أن تُطالب الولايات المتحدة، الوسيط، بجلب تركيا إلى طاولة المفاوضات وصياغة حزمة شاملة.
ينبغي أن يكون المقابل الإسرائيلي للهدوء في سوريا خطوة تركية شاملة: تطبيع كامل، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وتجديد التعاون الاقتصادي. يجب أن تكون الرسالة الإسرائيلية بناءة وواضحة: نرى تركيا شريكًا ونسعى إلى تحالف.
إذا لم تُثمر هذه الخطوة الاستراتيجية، فستُجبر إسرائيل على الاستمرار في تأمين مصالحها الأمنية داخل الأراضي السورية وحدها. وهذا يعني استمرار النشاط العسكري الذي سيمنع قيام حكومة مستقرة في دمشق. هذا استخدام مشروع لنفوذنا، ليس لتهديد تركيا، بل لتوضيح لجميع الأطراف حجم الفرصة التاريخية المتاحة.