قراءة في الأحداث ليوم السبت 29 نوفمبر
1. التصعيد العسكري الإسرائيلي الممنهج والموسع:
· غزة: تشهد تصعيداً عسكرياً مكثفاً ومتزامناً على جميع الجبهات (شمال غزة، غزة المدينة، الوسط، خان يونس، رفح). استخدمت إسرائيل مجموعة واسعة من القوات (برية، بحرية، جوية، مروحيات) في قصف مدفعي وغارات جوية وإطلاق نار مكثف، مما يشير إلى عمليات عسكرية شاملة وليس مجرد ردود فعل متفرقة.
· الضفة الغربية: استمرار العملية في جنين (اليوم الثالث) مع خطط هدم ممنهجة لتغيير المعالم الجغرافية للمخيم، بالإضافة إلى حملات اعتقال واسعة النطاق (100 معتقل في طمون) مما يشير إلى سياسة "التطهير" الأمني والإضعاف الديموغرافي.
· سوريا ولبنان: نقل العمليات إلى مرحلة أكثر جرأة وخطورة. العملية في بيت جن السورية والتصريحات الإسرائيلية اللاحقة تؤكد تبني "مفهوم جديد" يقوم على القتال "ما بعد السياج" ورفض أي انسحاب من أراضٍ استراتيجية (مثل جبل الشيخ). في لبنان، التهديدات المتبادلة مع حزب الله واستهداف القيادات يشير إلى بيئة متصاعدة ومعرضة للانفجار.
2. التحول في المفاهيم الاستراتيجية الإسرائيلية:
· الانتقال من الردع إلى الهجوم الاستباقي: الأحداث في سوريا (بيت جن) والتصريحات المرفقة (خاصة من يوسي يهوشع) تؤكد أن الجيش الإسرائيلي تبنى عقيدة عسكرية جديدة بعد 7 أكتوبر ترفض الدفاع عند الخط الحدودي وتتبنى "النشاط ما بعد السياج" والمبادأة بالهجوم في أراضي العدو.
· أولوية الاغتيال والضربات الجراحية: التصريح الإسرائيلي حول "تقليل الاعتقال والاعتماد على الاغتيال من الجو" في سوريا، واستهداف قادة حزب الله، يعكس تحولاً في التكتيكات لتفضيل الخيارات القاتلة ذات الكلفة السياسية الأقل (مقارنة بالاعتقالات).
3. الأزمة السياسية والأمنية الداخلية في إسرائيل:
· انقسام وصراع قيادي حاد: الأزمة العلنية بين وزير الجيش (يكاتس) ورئيس الأركان (زامير) تصل إلى مستوى يهدد بفصل أحدهما، مما ينعكس سلباً على الروح المعنوية للجيش وتماسك القيادة في وقت حرج.
· تأجيج الصراع بين الحكومة والقضاء: زيارة بن غفير لدعم جنود تحت التحقيق وانتقاده للتحقيقات مع الجنود، إلى جانب التصريحات حول قانون الإعفاء (الذي يهدد بانهيار التحالف الحاكم إذا لم يُقر)، يضع الجيش والقضاء في مواجهة مباشرة مع الائتلاف الحكومي، مما يقوض شرعية الدولة ومؤسساتها.
4. تداعيات إنسانية كارثية في غزة:
· استمرار المعاناة الإنسانية: تصريح المديرة التنفيذية لليونيسيف يؤكد استمرار الأزمة الإنسانية المتمثلة في الجوع والمرض وانعدام المأوى، مما يهدد حياة الأطفال بشكل مباشر.
· استهداف المدنيين والأطفال: استشهاد الطفلين فادي وجمعة أبو عاصي بقصف مسيرة إسرائيلية بجانب المدارس هو نموذج على استمرار الخسائر المدنية التي تثير استنفاراً دولياً.
5. ضغوط دولية متصاعدة وتراجع الدبلوماسية الإسرائيلية:
· انتقادات أوروبية حادة: بيان بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا يدين عنف المستوطنين ويعتبره تهديداً للسلام، وهو مؤشر على تآكل الدعم الأوروبي التقليدي لإسرائيل.
· ملاحقات قضائية محتملة: التحقيق الفرنسي في "جرائم حرب" لاستهداف أطفال فرنسيين يمثل سابقة خطيرة قد تفتح الباب لمزيد من الملاحقات القضائية ضد مسؤولين إسرائيليين.
· تراجع رمزي: قرار عاصمة أوروبية (دبلن) بإزالة اسم رئيس إسرائيلي سابق واستبداله بـ "حديقة فلسطين الحرة" يعكس تحولاً في الرأي العام الأوروبي لصالح القضية الفلسطينية.
الخلاصة التحليلية
يوم 29 نوفمبر يمثل استمراراً وتصعيداً للمسارات الرئيسية التي تشكل المشهد الإقليمي بعد حرب غزة، مع بروز مؤشرات خطيرة جديدة:
1. العسكرة المتنامية: إسرائيل تواصل حربها على جميع الجبهات (غزة، الضفة، سوريا، لبنان) بعقيدة هجومية جديدة ترفض الحلول السياسية وتؤمن بالحلول الأمنية الأحادية الجانب، مما يزيد من احتمالية التصعيد الإقليمي غير المحسوب.
2. الانهيار الداخلي: الحكومة الإسرائيلية تواجه أزمة وجودية من داخلها، حيث تهدد الصراعات بين قادتها العسكريين والسياسيين، وبين السلطات التنفيذية والقضائية، بتمزيق النسيج الاجتماعي ومؤسسات الدولة في لحظة تاريخية حرجة.
3. العزلة الدولية المتزايدة: تصاعد الإدانة الدولية والملاحقات القضائية والتحول في الرأي العام الأوروبي تضع إسرائيل في موقف دفاعي
، مما يقلل من هامش المناورة السياسي ويعزز اتجاهها نحو الانكفاء على الذات والاعتماد على الخيار العسكري فقط.
التقدير الاستراتيجي: المشهد العام يتجه نحو مزيد من التصعيد والعنف في المدى المنظور، مع افتقاد كامل للأفق السياسي. التفجير الداخلي في إسرائيل والضغوط الدولية المتصاعدة قد تدفع القيادة الإسرائيلية إلى مزيد من التصلب والعنف كخيار وحيد للبقاء، مما يزيد المنطقة دخولاً في دوامة عنف غير مسبوقة.