تقرير تحليلي

شبكة الهدهد
في قراءة معمقة للمشهد الميداني والسياسي ليوم السبت، 27 ديسمبر، تبرز صورة "إسرائيل" ككيان يحاول الهروب من مآزقه الأمنية المتفاقمة عبر تصعيد غير مسبوق في غزة والضفة، وبالتوازي مع "مقامرة" دبلوماسية في القارة الأفريقية، وسط بوادر تصدع في العلاقة مع الحليف الأمريكي الأقوى.

 

غزة: استراتيجية "الإبادة المكانية" والكارثة الإنسانية
تستمر آلة الحرب "الإسرائيلية" في تنفيذ ما يمكن تسميته بـ "الإبادة المكانية"، حيث يركز جيش الاحتلال على عمليات نسف واسعة للمباني السكنية في خان يونس، الزيتون، التفاح، والمغازي. ميدانياً، لا يزال القصف يستهدف المرافق الحيوية مثل محيط المستشفى الإندونيسي، بينما تلاحق النيران خيام النازحين في مواصي رفح.
إنسانياً، وصل الوضع إلى حافة الانهيار الشامل؛ فمن أصل مليون ونصف مليون مواطن فقدوا منازلهم، لا يتوفر سوى 60 ألف خيمة من أصل 300 ألف مطلوبة. وما يزيد من تعقيد المشهد هو التحدي المتمثل في منع "الأونروا" من إدخال المساعدات، مما ألقى بعبء ثقيل على المؤسسات الأهلية التي تعمل من داخل الخيام بعد تدمير مقارها.
الضفة الغربية: "قباطية" كنموذج للعقاب الجماعي
تحولت بلدة قباطية إلى بؤرة للصراع عقب عملية "بيسان" المزدوجة. ويفرض الاحتلال حصاراً مشدداً على البلدة، مع إغلاق طرقها وتحويل مبانيها إلى ثكنات عسكرية. ولم يكتفِ الاحتلال بالملاحقة الأمنية، بل عمد إلى سياسة "تدفيع الثمن" عبر أخذ قياسات منزل منفذ العملية تمهيداً لهدمه واعتقال ذويه.
وفي سياق الحرب على الوجود الفلسطيني، كشفت البيانات عن خسائر مادية فادحة بلغت 7 ملايين دولار جراء اقتلاع 8 آلاف شجرة زيتون في أسبوع واحد، بالتوازي مع مشاريع استيطانية تهدف لمصادرة أراضٍ خاصة في وادي الدرجة لتعميق عزل أحياء القدس الشرقية.
المقامرة الدبلوماسية: "صوماليلاند" وتوتر العلاقات مع واشنطن
في خطوة مفاجئة، أعلن بنيامين نتنياهو اعتراف "إسرائيل" بجمهورية "صوماليلاند" (أرض الصومال) كدولة مستقلة، وهي خطوة يراها مراقبون محاولة لاستنساخ "اتفاقيات أبراهام" في منطقة القرن الأفريقي لتعمين النفوذ في خليج عدن.
إلا أن هذه الخطوة قوبلت برفض إقليمي قاطع من الصومال والاتحاد الأفريقي ومصر وتركيا. والأهم من ذلك هو الموقف الأمريكي؛ حيث أبدى دونالد ترامب استياءه وسخريته من هذه الخطوة، مؤكداً أن أولويته هي غزة، ومتسائلاً بتهكم: "هل يعرف أحد حقاً ما هي أرض الصومال؟". هذا التباين يعكس فجوة متزايدة بين نتنياهو والدائرة الضيقة المحيطة بترامب التي بدأت تفقد صبرها تجاه وتيرة العمليات في غزة.
التآكل الداخلي: أزمة الأمن والشفافية
داخلياً، تواجه "إسرائيل" أزمة أمنية واجتماعية طاحنة؛ حيث سجلت الجرائم الجنسية قفزة مقلقة بنسبة 45%، كما ارتفعت جرائم القتل بنسبة 18%. وفي ظل هذا الفشل، تبرز اتهامات للشرطة ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالتستر على البيانات الإحصائية وتراجع الشفافية.
كما يبرز ملف "المقيمين غير القانونيين" كقنبلة موقوتة، حيث تقدر الأعداد بـ 50 ألفاً داخل إسرائيل، وسط اتهامات للحكومة بغض الطرف عنهم لدفع عجلة الاقتصاد، رغم المخاطر الأمنية التي يمثلونها.
خلاصة تحليلية:
تعيش "إسرائيل" حالة من "التخبط الاستراتيجي"؛ فهي تصعد عسكرياً في غزة والضفة دون أفق سياسي واضح، وتحاول تعويض عزلتها الدولية بتحالفات دبلوماسية "هشة" في أفريقيا قد تجلب لها مزيداً من الصدامات الإقليمية والدولية. إن الفجوة بين "شعارات الحكومة" و"واقع الأرض" بدأت تتسع، سواء في الفشل بتأمين العمق "الإسرائيلي" أو في خسارة الدعم المطلق حتى من إدارة ترامب القادمة.