ترجمة الهدهد
القناة 12
اللواء (احتياط) إسرائيل زيف

في سوريا، كل ما يُقال لنا يحدث بالفعل، ولكن بوتيرة أسرع وأكثر حدة. فالنظام التركي غير الإسلامي - بعد مراسم إضفاء الشرعية على وجوده في السعودية والأمم المتحدة، وبضجة كبيرة في البيت الأبيض - جاء ليُنفذ أوامره. والهدف الأسمى هو القضاء على الأقلية الكردية، وهو الهدف الأول لأردوغان. شنّ نحو 100 ألف مسلح بدوي، أعضاء في تنظيم القاعدة تم فصلهم عن تنظيم الدولة الإسلامية ويُطلق عليهم الآن "الجيش السوري"، هجوماً في الأيام الأخيرة على منطقتي دير الزور والرقة، ومدينة الطبقة، ويتجهون الآن نحو الحسكة والقامشلي، تحت غطاء جوي من الأتراك، ووفقاً لخطة عملياتية من أنقرة، مما أدى إلى اقتحام معاقل الأكراد وانهيارها.
يهدف الهجوم الحالي على مدينة الحسكة أيضًا إلى تحرير 5000 قاتل من تنظيم داعش من سجنها، إضافةً إلى الـ 5000 الذين أُطلق سراحهم. ويوجد 25000 معتقل آخر من داعش في سجن الهول، وقد بذلت القوات الأمريكية، بالتعاون مع الأكراد، جهودًا حثيثة لاعتقالهم. هؤلاء هم أبشع القتلة في العالم، والذين يشنون، بعد 12 عامًا، حملة انتقام وحشية ضد الأكراد الذين أسروهم. إن صور المجزرة التي تُرتكب بحق الأكراد في هذه الأيام والساعات - مجزرة وحشية بحق كبار السن والنساء والأطفال - صادمة للغاية. هذه بداية حملة إبادة جماعية، لا أقل من ذلك. كل ما تروّجه جبهة التحرير الشعبية من وعود بوقف إطلاق النار ليس إلا استعراضًا للقوة؛ فأجندتها ليست سوريا موحدة، بل سوريا مُطهّرة من الكفار.
توم باراك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا، مُجندٌ بالكامل لخدمة الأتراك، ومن الصعب تجاهل أن دوافعه، من بين أمور أخرى، هي المصالح الاقتصادية. وهذا أيضاً هو سبب الاستيلاء السريع على حقول النفط والغاز في عمر، وكونيكو، والتانك، والعزبة - وهي أصول استراتيجية لطالما كانت في حوزة الأكراد، والآن انتُزعت منهم ووُضعت في أيدي الشرع ، أو بتعبير أدق، في أحضان أردوغان، أو بتعبير أدق: لتمكين الأمريكيين من الحصول على نصيب وافر. الجميع سيحصل على نصيب. كانت المصلحة الوطنية المعلنة للولايات المتحدة حتى الآن هي حماية الأكراد كحلفاء لها، وكانوا الذراع الرئيسية في الحرب ضد داعش. الآن وجد الأكراد أنفسهم مُخادعين ومُعرضين لخطر الإبادة؛ أمريكا الآن مهتمة بالسلطة والمال.
لا شك أن الهدف التالي للتصفية هو الدروز في السويداء، أولئك الذين عانوا من مذبحة راح ضحيتها الآلاف، والذين قدمت لهم إسرائيل مساعدات قبل أشهر قليلة. يشكل هؤلاء الآن، جزئياً بسبب التدخل الإسرائيلي، عقبة في طريق طموحات الشرع  للسيطرة على سوريا

تقف "إسرائيل" عاجزة أمام سرعة هذه التطورات، لكنها لن تستطيع الوقوف مكتوفة الأيدي طويلاً. أردوغان، الذي يحظى بدعم ترامب الكامل، هو من يحرك الخيوط في سوريا. وهو يعيد بناء قوات القاعدة الموالية لجماعة الإخوان المسلمين بسرعة، محولاً إياها إلى جماعات سنية متطرفة. إن نية أردوغان النهائية، الذي يصرح في كل خطاب تقريباً برغبته في تدمير إسرائيل، هي نشر كل هذه القوات على حدود إسرائيل فور انتهاء عمليات التطهير الداخلية، وهذا على الأرجح لن يدوم طويلاً.
لا يقتصر نشاط أردوغان على الساحة السورية أو غزة فحسب، بل يسعى جاهداً لإحداث تغيير إقليمي من خلال تحالف دفاعي إقليمي جديد مع السعودية وباكستان. وهذه خطوة جريئة، فباكستان دولة نووية تمتلك صناعة عسكرية متنامية، وتركيا لديها جيش كبير ومتطور، والسعودية تمتلك موارد هائلة. ويمثل هذا التحالف تحولاً جذرياً في موازين القوى الاستراتيجية الإقليمية، وهو تحول لا يضع إسرائيل في موقف حرج فحسب، بل يهدد الاستقرار الاستراتيجي الإقليمي، وينبغي أن يقلق الولايات المتحدة أيضاً.
إن حالة الصمت الراهنة أشبه بدفن الرأس في الرمال". إسرائيل" منشغلة بإيران، التي تُعتبر في نواحٍ كثيرة عدوًا من الماضي، وتزداد ضعفًا يومًا بعد يوم؛ ولو تعرضت لهجوم أمريكي، لكانت ستواجه صعوبة بالغة في النهوض. أما أردوغان، فبينما يتجه الجميع شرقًا، يُرسّخ واقعًا إقليميًا جديدًا للهيمنة التركية السنية المتطرفة، مما يُغيّر موازين القوى الإقليمية. لم يعد الأمر مقتصرًا على حركة حماس صغيرة في غزة، بل هو بناء "حماس كبيرة" إقليمية، تُفاقم وضع "إسرائيل" بشكل كبير، وهي التي لا تُحرّك ساكنًا في الوقت الراهن. إن "عناق ترامب" يُشلّ نتنياهو تمامًا، الذي يخشى بشدة اتخاذ أي إجراء جوهري في ظل الأحداث الخطيرة المحيطة بنا. أما التذمّر من الوجود التركي في غزة وإرسال جدعون ساعر إلى بندقيته، فهو بمثابة نخب للموتى.

يبدو وضعنا الاستراتيجي الحالي، بعد الحرب الطويلة والشاقة، أسوأ بكثير مما كان عليه قبلها. أمام إسرائيل خيار، وعليها أن تتخذ موقفاً حازماً. أولاً، يجب ألا نخشى التدخل عسكرياً في سوريا عبر غارة جوية واسعة النطاق على قوات القاعدة لوقف إبادة الأكراد التي تلتزم "إسرائيل" بمواجهتها، وهذه أيضاً هي الطريقة لمنع الهجوم الوشيك على الدروز. صحيح أن هذه خطوة حاسمة، لكن بدونها ستستمر حملة التطهير في سوريا، وستنتهي على حدودنا بجيش كبير ومعادٍ للغاية في المستقبل القريب. ستكتسب تركيا ثقة وسيطرة أكبر على سوريا، ومن المهم أيضاً أن يدرك الأمريكيون أن لإسرائيل رأياً فيما يحدث على حسابها في سوريا. سيمثل هذا التدخل أيضاً حداً للأتراك الذين يحتفلون على حساب "إسرائيل".

 إن التوازن الجديد الذي تحتاج "إسرائيل" إلى بنائه في مواجهة الأتراك في سوريا مسألة استراتيجية بالغة الأهمية لأمنها.
ثانيًا، يحتاج نتنياهو إلى توعية ترامب بتحركات أردوغان الإقليمية وإحباط إقامة التحالف الدفاعي الجديد مع باكستان والسعودية؛ عليه أن يشرح لهما كيف يُعرّض هذا التحالف المصالح الأمريكية في المنطقة للخطر الشديد.

 إن فشل "إسرائيل" الذريع في إدارة شؤون الدولة خلال الحرب وبعدها لم يُقوّض إنجازات الحرب فحسب، بل أدى أيضًا إلى انقلاب في موازين القوى، ما سيُلحق بها ضررًا استراتيجيًا إقليميًا بالغًا، في حين يبني آخرون على إنجاز إضعاف إيران ويُؤسسون توازنًا إقليميًا جديدًا تبقى "إسرائيل" خارجه. يبقى السؤال الأهم: هل الحكومة الحالية، المنشغلة ببقائها، قادرة على التعامل مع هذا الوضع؟