"الاقتصاد الإسرائيلي" ينتظر تصحيحاً عميقاً
ترجمة الهدهد
بعد قرابة شهر من بدء الحرب على إيران، والتي بدأت بضربة افتتاحية ضخمة واستعراض مشترك للقوة من جانب "إسرائيل" والولايات المتحدة، قفزت المؤشرات الرئيسية في بورصة تل أبيب بنحو 7% في غضون أيام قليلة.
لكن بعد كل صعود يأتي هبوط، أو ربما من الأنسب استخدام استعارة الصداع بعد حفلة صاخبة، اليوم وبعد شهر، محا سوق الأسهم المحلي معظم مكاسب الحرب الحالية في إيران، ويقترب من نقطة انطلاقها، حيث دخل مؤشر تل أبيب 90 بالفعل ما يُسمى "التصحيح" - أي انخفاض بنسبة 10% عن ذروته.
لا يعني هذا الانخفاض أن سوق الأسهم "الإسرائيلي" لم يعد مكانًا آمنًا للاستثمار، ولا يُشير إلى أن الأمور قد انقلبت وأن "إسرائيل" ستخسر الحرب التي أشعلتها بنفسها، بل يعني أن التفاؤل المفرط في بداية الحرب قد استُبدل بواقعية قاتمة، وإدراك أنه بالرغم من الإنجازات العسكرية المبهرة، فمن غير المتوقع أن تختفي المشاكل الأساسية لـ "الاقتصاد الإسرائيلي" في أعقاب الحرب، بل من المتوقع أن تتفاقم بعضها.
إلى جانب تراجع سوق الأسهم، تلقى "الاقتصاد الإسرائيلي" تذكيراً آخر بأننا ما زلنا بعيدين عن "فترة انتعاش اقتصادي"، فقد أعلنت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني أمس الجمعة أنها أبقت على تصنيف "إسرائيل" الائتماني عند مستوى A مع نظرة مستقبلية سلبية، دون تغيير عن التصنيف السابق.
ويأتي هذا الإعلان بعد أن أعربت وزارة مالية العدو عن تفاؤلها بأن وكالات التصنيف الائتماني سترفع بالفعل تصنيف الكيان الائتماني، الذي انخفض بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن تصاعد التوترات الأمنية الأخيرة وجه ضربة أخرى لـ "الاقتصاد الإسرائيلي"، ولا يقتصر معنى هذا الإعلان على أن فيتش لا تتوقع رفع تصنيف "إسرائيل" قريباً، بل إنها تتوقع انخفاضه بالفعل (وهذا هو المقصود بالنظرة المستقبلية السلبية).
يشير إعلان تصنيف وكالة "فيتش" إلى اعتقادها بأن الحرب مع إيران ستؤدي إلى تحسين الوضع الأمني لـ "إسرائيل" في مواجهة القوة الشيعية، بل وإلى انخفاض ملحوظ في التهديد الإيراني لـ "إسرائيل"، إضافةً إلى ذلك، تتوقع الوكالة أن تتمكن "إسرائيل "من ترسيخ سيطرتها على أجزاء واسعة من جنوب لبنان، لكنها ترى أن هذه السيطرة سيكون لها تأثير اقتصادي محدود مقارنةً بحرب "إسرائيل" على قطاع غزة، ما لم تتوسع العملية بشكل كبير وتؤدي إلى تعبئة واسعة ومطولة لقوات الاحتياط (مع العلم أن حكومة نتنياهو وافقت مؤخراً على إمكانية تجنيد نحو 400 ألف جندي احتياطي عند الضرورة).
في سياق متصل، توضح وكالة "فيتش" كيف أن الحملات العسكرية المتكررة التي تقودها "إسرائيل" تُؤدي في الواقع إلى تدهور اقتصادها، وتُذكّرنا "فيتش" بأن الحروب تُكلّف أموالاً طائلة، ورغم أن الميزانية المُتوقعة لعام 2026، والتي من المُرجّح أن تُقرّها "حكومة نتنياهو"، ستستهدف عجزاً بنسبة 4،9%، إلا أن "فيتش" تعتقد أن النسبة الفعلية ستكون أعلى من ذلك (على غرار بنك إسرائيل)، وأن العجز الحقيقي سيبلغ 5،7%، وأن الإنفاق الحكومي سيظل مرتفعاً، وسيؤدي هذا التوجه إلى ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الكيان بشكل متزايد.
وتتوقع "فيتش" أن تصل إلى 72،5% العام المقبل، مُقارنةً بنحو 60% في فترة ما قبل الحرب، وهو وضع أسوأ بكثير من دول أخرى مُصنّفة ضمن فئة A الائتمانية، حيث تبلغ النسبة المتوسطة فيها 56% فقط، ليس هذا فحسب، بل تعتقد وكالة "فيتش" أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ستستمر في الارتفاع بعد عام 2028، وهو تعبير مهذب يعني عدم ثقتها في قدرة "الحكومات الإسرائيلية" على التصرف بمسؤولية مالية في المستقبل المنظور، ويأتي هذا بالتزامن مع تعليق آخر في بيان التصنيف يشير إلى أن عدم الاستقرار السياسي في "إسرائيل" يشجع على الإسراف المالي.
إن الإبقاء على التصنيف كما هو ليس مأساة، وخلال حرب تخلق أزمة طاقة في أجزاء كثيرة من العالم والتي قد تؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية، يمكن للمرء أن يشعر بالارتياح أيضاً لحقيقة أن التصنيف لن ينخفض أكثر من ذلك.
يبدو أن قرار وكالة "فيتش"، بالإضافة إلى "التصحيح" الذي طرأ على بورصة "تل أبيب"، بمثابة جرس إنذار – فـ "الاقتصاد الإسرائيلي" يمتلك نقاط قوة واضحة، كامتلاكه أحد أفضل قطاعات التكنولوجيا في العالم، وصناعات عسكرية ممتازة، وانعدام البطالة، مع ذلك، لن تقضي أي حرب فجأة على المشاكل الهيكلية لـ "الاقتصاد الإسرائيلي"، فحتى لو تم القضاء على خامنئي والقيادة الإيرانية، ستظل "إسرائيل" تعاني من مشاكل في التعليم والتركيبة السكانية، ونقص في الاستثمار في البنية التحتية، وتحديات هيكلية، وحكومة غالباً ما تُلحق الضرر أكثر مما تنفع، إلى أن نحل هذه المشاكل، سيظل الانطلاق الحقيقي للاقتصاد الإسرائيلي مؤجلاً.
المصدر: القناة 12/ "يوفال ساديه"