ترجمة الهدهد
مقال رأي

لم يتلقَّ وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر وباكستان، الذين اجتمعوا أمس الأحد في إسلام آباد، عاصمة باكستان، في قمة طارئة، أي ردٍّ حتى الآن، فظاهريًا حُدِّد هدف هذا المؤتمر بالسعي إلى "خفض التصعيد" في الحرب مع إيران، وهو مصطلح يتراوح بين خفض وتيرة إطلاق النار والتوصل إلى وقف إطلاق نار كامل.

عمليًا، سيسعى وزراء الخارجية إلى صياغة موقف مشترك يتضمن خطة عمل تُقدَّم إلى إيران والولايات المتحدة كخطوة تمهيدية للمفاوضات الرئيسية التي قد تُفضي إلى تقارب بين واشنطن وطهران، أو على الأقل تمنع تنفيذ تهديد "ترامب" بمهاجمة محطات الطاقة الإيرانية بدءًا من 6 أبريل/نيسان، في حال عدم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين.

في حال التوصل إلى اتفاق، قد تُقدّم هذه الدول نفسها كضامنة لتنفيذه.

ومع ذلك سواء توقفت الحرب أو اتسعت رقعة انتشارها، ستسعى هذه الدول في الوقت نفسه إلى وضع إطار للتعاون العسكري يستند إلى الدروس المستفادة من انهيار مفهوم الاحتواء الذي تبنته قبل الحرب وأثناءها، وقبل دراسة فرص المؤتمر في تغيير مسار الحرب ووقف المزيد من الهجمات، يجدر بنا الانتباه إلى الدول غير المشاركة في هذا التجمع.

لم تُدعَ الإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وعُمان، وهي أربع دول من مجلس التعاون الخليجي التي تعرضت لهجمات إيرانية، ومن بين جميع الدول التي استُهدفت بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية، تُشارك المملكة العربية السعودية فقط في المؤتمر، وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، بأن قطر تدعم جميع الجهود الدبلوماسية، لكنها "ليست شريكة في الجهود الدبلوماسية التي ستُبذل في باكستان"، دون توضيح الأسباب.

الإمارات غير راضية عن الطريقة التي تُدار بها الجهود الدبلوماسية، ويرى معلقون إماراتيون أنه لا جدوى من الدخول في حوار مع إيران، وكما أوضح أنور قرقاش، كبير مستشاري حاكم الإمارات، فإن "البلاد تخوض معركة صعبة من أجل دفاعها وأمنها، ويجب على إيران وقف عدوانها كشرط أساسي لأي عملية دبلوماسية".

ثمة جانب آخر غير مُعلن عنه لغياب الإماراتيين

فقد نشب خلاف حاد بين أبو ظبي وإسلام آباد حول إدارة مطار باكستان الوطني، ما أدى في يناير/كانون الثاني إلى إلغاء اتفاقية كان من المفترض أن تنقل إدارة المطار إلى أبو ظبي. يُضاف إلى ذلك اتفاقية التعاون الاستراتيجي الموقعة في سبتمبر/أيلول بين السعودية وباكستان، والتي تعتبرها أبو ظبي قناةً للالتفاف على التحالف الاستراتيجي لدول الخليج.

في ظل التوترات الحادة التي تصاعدت بين السعودية والإمارات نتيجة صراعهما على النفوذ في اليمن والسودان، ترى أبو ظبي في هذا التحالف تهديدًا صريحًا لمكانتها، وتواجه أبو ظبي عقبة أخرى تحول دون انضمامها إلى المؤتمر، فهي لا تحافظ فقط على علاقات دبلوماسية كاملة مع "إسرائيل" تشمل التعاون التكنولوجي والعسكري والاستخباراتي، بل يُشتبه أيضًا في سماحها للولايات المتحدة باستخدام موانئها كقاعدة انطلاق لعملية برية في إيران.

بالرغم من أن مصر تربطها علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل"، وهناك تنسيق عسكري بين البلدين فيما يتعلق بإدارة غزة، إلا أن مصر، على عكس الإمارات، تمتلك جيشاً قوياً، ومع بدء دول المنطقة في صياغة استراتيجيتها الأمنية في ظل الحرب مع إيران، فمن المتوقع أن تكون مصر واحدة من أهم القادة في الساحة العسكرية التي بدأت تتشكل.

يكتمل هذا الهيكل، الذي يطمح إلى إقامة تحالف استراتيجي، بانضمام تركيا وباكستان.

وقد برزت تركيا في السنوات الأخيرة كقوة عسكرية إقليمية، بفضل إنتاجها الدفاعي المذهل، الذي يشمل أيضاً طائرات شبحية وصواريخ وطائرات مسيرة، فضلاً عن بعض أحدث التقنيات العسكرية في العالم، وبفضل خبرتها العسكرية، لا سيما في ساحات القتال في سوريا والعراق ضد الأكراد.

تمتلك باكستان سابع أكبر جيش في العالم من حيث عدد الجنود النظاميين، ويعمل طياروها كمدربين في القوات الجوية السعودية، ومثل تركيا، تتمتع بخبرة في خوض المعارك بفضل الصراع التاريخي العنيف بينها وبين الهند. إضافةً إلى ذلك، تمتلك باكستان أسلحة نووية مثبتة، مما يجعلها حليفًا مرغوبًا وشريكًا حيويًا في مواجهة التهديدات الإيرانية.

تحافظ هذه الدول الأربع على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وبدرجات متفاوتة مع إيران.

لم تُجنّب العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، التي جددتها الرياض عام 2023، السعوديةَ خطرَ هجوم إيراني كبير على منشآت النفط والقاعدة الأمريكية على أراضيها، إلا أن السعودية امتنعت حتى الآن عن الرد عسكرياً، وفي ظل الجهود الدبلوماسية التي تُعدّ شريكاً فيها، يبقى من المشكوك فيه أن تستجيب للضغوط الأمريكية لتغيير سياستها الاحتوائية والانضمام إلى الحرب.

لم تتبنَّ تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) ورئيسها رجب طيب أردوغان، الذي يُعتبر بمثابة "شقيق" لـ "ترامب" الذي وصفه بأنه "قائد رائع"، العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، واستمرت في شراء الغاز من إيران، بنسبة تصل إلى 16% من استهلاكها، بموجب اتفاقية من المقرر أن تنتهي في يوليو/تموز، على الرغم من انخفاض حجم المشتريات بشكل ملحوظ خلال شهر الحرب.

ورغم إطلاق إيران صواريخ عليها، اكتفت تركيا بالإدانة، ولم تنضم ولا يبدو أنها ستنضم، إلى المجهود الحربي ضد إيران، كما أنها لا تسمح للطائرات الأمريكية باستخدام أراضيها لهذا الغرض.

بالرغم من الصراعات الدورية التي وقعت بينها وبين إيران، والتي تعود أساساً إلى النشاط الإرهابي في مناطق بلوشستان في كلا البلدين، وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة التي تم بناؤها بينها وبين "إدارة ترامب"، فإن باكستان تحافظ أيضاً على علاقات وثيقة مع إيران.

في أواخر العام الماضي، عقد البلدان مباحثات حول التعاون الأمني الذي يشمل الإنتاج الدفاعي، وتنسيق العمليات العسكرية على طول حدودهما الممتدة، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة، وقد أدانت باكستان اغتيال آية الله علي خامنئي، ورحبت بتعيين ابنه مجتبى مرشداً أعلى جديداً للجمهورية الإسلامية.

لا تقيم مصر علاقات دبلوماسية مع إيران، لكنها أصبحت في العامين الماضيين محوراً لمحاولات طهران للتقرب منها، الأمر الذي أسفر عن تصريحات علنية - مصرية وإيرانية على حد سواء - حول نية توسيع نظام التعاون بين البلدين والنظر في تجديد العلاقات بينهما.

في يونيو الماضي، التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وفي سبتمبر تم توقيع اتفاقية في القاهرة للتعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن تجديد عمليات التفتيش على المنشآت النووية (وهي اتفاقية ألغتها إيران في نوفمبر).

يشير إطار التعاون الناشئ عن الاجتماع الرباعي في باكستان إلى نسيج استراتيجي جديد قد تتفكك فيه "التحالفات القديمة"، مثل التحالف الذي يوحد دول الخليج، وقد ينشأ مكانها تحالف مختلط من دول عربية وغير عربية قوية عسكرياً، ويكون سبب وجوده هو الدفاع المشترك وليس فقط ضد إيران.

لطالما حلمت "إسرائيل" بالمشاركة في تحالف كهذا، أشبه بحلف الناتو العربي، بل وبدا في بعض الأحيان، لا سيما خلال فترة رئاسة الرئيس الأمريكي السابق "جو بايدن"، أن هذا التحالف على وشك التحقق، لكن الحرب ضد إيران، التي تنظر إليها معظم الدول العربية على أنها المبادر إليها، وأنها من عرقلت المسار الدبلوماسي الذي كان من الممكن أن يمنع الحرب وأضرارها الجسيمة، قد أحدثت دماراً هائلاً.

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "تسفي بارئيل"