ترجمة الهدهد

"بنيامين نتنياهو" بارع في إلقاء الخطابات، وهذا ليس سراً، فالثقة بالنفس، والكاريزما، والجمل الحاسم الذي يخرج من فمه بصوتٍ حازمٍ وواثق، كل ذلك حاضرٌ فيه، التركيز الجسدي، ونبرة الصوت، وحركات الجسد - أداءٌ يكاد يكون مثالياً، ولكنه ليس كذلك تماماً.

لأن أي شخص يجيد قراءة لغة الجسد سيدرك ما يخفيه المظهر الخارجي: رجل متوتر، قلق، فخور، نعم، لكنه يفتقر إلى الثقة بالنفس، تحت هذا التناغم الدقيق بين الكلمات والجسد، تبرز مشاعر مختلفة تمامًا، وستندهش مما رأيته، فقد كان يعاني من ضغط كبير وصعوبة بالغة، وقدر كبير من انعدام الأمان.

بصفتي محللة لغة جسد أتابع "نتنياهو" منذ سنوات، وعمومًا عند تحليلي للشخصيات العامة، من المهم بالنسبة لي الالتزام بالحقائق والتحلي بالموضوعية، فلغة الجسد تكشف لنا ما وراء الكلمات، الحقيقة الخفية، والجمهور الذي يأتمن مصيره على مسؤوليه المنتخبين، يستحق أن يعرف ما إذا كان يمنحهم ثقته بناءً على الصدق أم على التلاعب، لذا سأعرض لكم الأمور كما رأيتها، الإيجابية منها والسلبية، ولكم استخلاص النتائج بأنفسكم.

لنبدأ بالإيجابيات:

فإلى جانب قدرته الخطابية الفذة التي لا شك فيها، برزت لحظةٌ واحدةٌ على وجه الخصوص: عندما تحدث "نتنياهو" عن عملية "زئير الاسد"، هناك، وللحظةٍ خاطفة، بدا على وجهه تعبيرٌ صادقٌ عن مزيجٍ من الفرح والفخر، ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على شفتيه، وثبّت عينيه مباشرةً على الكاميرا: نظرةٌ ثاقبةٌ ومباشرة، تُوحي بأنه يُخاطب كل مشاهدٍ على حدة، وهذا، في رأيي، أمرٌ إيجابي.

بصفتي "إسرائيلياً" في هذا البلد، وأنا متأكد من أن الكثيرين سيوافقونني الرأي، أود أن أرى "رئيس وزراء" يؤمن حقاً بأهمية هذه الخطوة، وفي تلك اللحظة، عندما تحدث عن زئير الأسد، بدا الأمر وكأن هذا هو بالضبط ما رأيناه.

لكن الأمر لم يقتصر على الفخر والإنجاز، عندما التفت نتنياهو ليتحدث عن القتلى ويقدم التعازي لأسرهم، تغير شيء ما، كان واضحًا أن هذه اللحظة كانت ثقيلة عليه حقًا، حركات طفيفة من جانب إلى آخر، رمشات سريعة متكررة، أغمض عينيه، ثم أخذ نفسًا عميقًا، كمن يحاول استعادة أنفاسه، كل هذا يشير إلى حزن حقيقي، إلى ألم صادق لا يتصنّع.

لكن إلى جانب لحظات الصدق، لاحظتُ دلالاتٍ جسديةً أثارت استغرابي، فعندما شرح "نتنياهو" أهمية دخول الحرب، وزعم أن إيران لا تسعى فقط لتدمير إسرائيل بل لتهديد العالم أجمع، تلعثم في كلامه، والتلعثم في مثل هذا السياق ليس من قبيل الصدفة.

عندما يتلعثم المرء أثناء عرض الحقائق، فغالباً ما يكون ذلك دليلاً على صراع داخلي بين العقل والعاطفة، بين ما يقوله وما يؤمن به حقاً، أما بخصوص الخطر الذي يهدد إسرائيل، فكان واضحاً ومعروفاً، وقد أكده جسده، لكن ماذا عن الخطر الذي يهدد العالم أجمع؟ هناك، بين الكلمات، روى الجسد قصة مختلفة.

وفي وقت لاحق من الخطاب استعرض "نتنياهو" نجاحات الحرب، والضربات التي وجهناها لإيران وأسلحتها، بل إنه عقد مقارنة بين قصة الخروج من مصر والضربات العشر التي أنزلها الله على فرعون، لا شك أن هذه المقارنة بليغة، لكنها تثير تساؤلاً: كيف يرى الرجل الذي يقف وراء هذه المقارنة نفسه؟ نقطة تستحق التأمل.

لكن دعونا نعود إلى الموضوع الأساسي، عندما تحدث "نتنياهو" عن النجاحات في غزة والضربة التي وُجهت لحماس، بدأ يتمايل بشكل غير مريح، جسده يعلم ما نعلمه: أننا ما زلنا بعيدين عن تحييد الخطر، لكن لا بد من عرض النتائج، لذا نواصل الحديث.

من ناحية أخرى، عندما انتقل للحديث عن حزب الله، وأجهزة النداء، والحوثيين، طرأ تغيير فوري، نظر مباشرةً إلى الكاميرا، وقدماه ثابتتان على الأرض، وجسده هادئ ومتزن، الرجل يؤمن بما يقول، ثم جاء دور إيران، وعادت إليه تلك الحالة من عدم الارتياح (يحرك جسده من جانب إلى آخر).

لكن اللحظة التي لفتت انتباهي أكثر من غيرها جاءت تحديدًا في بداية التشبيه، فقد شبّه "نتنياهو" نفسه بفرعون القائد الذي رغم كل الضربات التي تلقاها، استمر بعناد في محاولة إبادة اليهود، تشبيه ذكي لأنه إذا لم تحقق الحرب أهدافها، فإن فرعون لم يستسلم أيضًا، فالكلمات تُهيئ شبكة أمان جاهزة مسبقًا، لكن هذا ليس ما أثار إعجابي، ما أثار إعجابي هو الجسد.

كلنا نعرف "نتنياهو"، والاعتذار ليس من شيمه، هذه ليست انتقاداً، بل حقيقة معروفة ، ومع ذلك، في تلك اللحظة بالذات، وضع يده على صدره، وانحنى قليلاً إلى الأمام، وبحث بيده في جيبه، فعل جسده ما لم يفعله فمه أبداً - اعتذر، لحظة نادرة، لحظة تستحق تسليط الضوء عليها.

لا نملك سيطرة على أعيننا، وهنا تحديدًا تكمن إحدى أكثر الفروقات الفسيولوجية إثارةً للاهتمام التي لاحظتها في هذا الخطاب، طوال الخطاب تقريبًا، برزت ظاهرة معروفة في عالم تحليل لغة الجسد، ولها اسم ياباني: "سانباكو" أو ما يُعرف طبيًا باسم "ظهور الصلبة"، وهي عبارة عن مساحة بيضاء تتشكل بين بؤبؤ العين والجفن السفلي، ظاهرة لا تُعتبر عادةً من سمات "نتنياهو"، لكنها كانت واضحة وبارزة في هذا الخطاب.

بالإضافة إلى العلامات الفسيولوجية الأخرى التي رأيتها، فإن الصورة الناتجة (بالرغم من محاولة إظهار الهدوء والسيطرة الساخرة) هي صورة شخص يتعرض لضغط داخلي هائل، بل وحتى شديد.

لقد اتضح لنا سبب الضغط جليًا عندما لمح نتنياهو إلى خصومه، عندها عاد التلعثم، وهذه المرة بقوة أكبر، وكما نتذكر، يدل التلعثم على صراع بين العقل والعاطفة، وفي هذه الحالة، الترجمة بسيطة: يجد "نتنياهو" صعوبة في تقبّل أي معارضة مهما كانت" بمعني "ديمقراطية ذات مسؤولية محدودة".

المصدر: "معاريف"/ "معيان بشان"