ترجمة الهدهد

تعكس الجولة الدبلوماسية الأخيرة التي قام بها الرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي" في منطقة الشرق الأوسط، والتي شملت دولاً عديدة من بينها تركيا وسوريا ومصر، فجوةً لافتة تمثلت في غياب "إسرائيل" عن برنامجه، وهذا الغياب ليس مجرد مصادفة بروتوكولية، بل هو نتاج سياسة تتبعها "حكومة نتنياهو" التي باتت تتعامل مع "كييف" بحذر شديد يقترب من النبذ، مدفوعةً برغبة حثيثة في تجنب أي احتكاك قد يثير حفيظة "فلاديمير بوتين" أو يغضب "دونالد ترامب".

إن هذا "الموقف الإسرائيلي" يتجاهل فرصاً استراتيجية وتكنولوجية كبرى، حيث تمتلك "إسرائيل" الكثير لتعلمه من التجربة الأوكرانية، خاصة في مجال مواجهة تهديدات الطائرات المسيرة، فكلا "البلدين" يتشاركان تحديات عسكرية ميدانية تقنية متشابهة، وقد تحولت أوكرانيا بفعل الضرورة إلى قوة تكنولوجية تمتلك اليوم الجيش الأكثر خبرة ومهارة في القارة الأوروبية، ومع ذلك يصر "بنيامين نتنياهو" على إدارة ظهره لهذه العلاقة وللتحولات الكبرى التي تعيد تشكيل وجه القارة الأوروبية، مفضلاً المضي قدماً في مسار خطير يعمق الانفصال عن الحلفاء التقليديين في أوروبا.

لقد بدأت جذور هذا الانفصال منذ نحو عقد من الزمان، حين شرع "نتنياهو" في بناء تحالفات مع قادة أوروبيين مثيرين للجدل، مثل "فيكتور أوربان" رئيس وزراء المجر، الذين يعملون بشكل دؤوب على تقويض أسس الاتحاد الأوروبي، ورغم أن أوروبا لا تزال تحتفظ بمكانتها كأكبر شريك تجاري لـ "إسرائيل"، إلا أن الفجوة الأيديولوجية بين الطرفين تزداد اتساعاً، فبينما يميل التوجه الأوروبي نحو دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، تنخرط "الحكومة الإسرائيلية" في سياسات داخلية متشددة، مثل الترويج لقوانين عقوبة الإعدام للأسرى وتخصيص ميزانيات ضخمة للمستوطنين، وهو ما يزيد من حدة التوتر مع "بروكسل".

وتضع "إسرائيل" كل رهاناتها اليوم على علاقة عاطفية متقلبة مع "دونالد ترامب"، الذي يبدي ازدراءً واضحاً للديمقراطيات الأوروبية وقادتها، ويتبنى نهجاً يفضل القادة الديكتاتوريين، وقد انتقلت هذه العدوى إلى وزراء في "الحكومة الإسرائيلية" باتوا يسخرون علانية من قادة مثل "إيمانويل ماكرون" و"كير ستارمر"، وصولاً إلى التلويح بالاستغناء عن صفقات السلاح الفرنسية بغطرسة واضحة، وفي الوقت نفسه، يسود خطاب إعلامي محلي يسخر من "ضعف" الأوروبيين لعدم انخراطهم في المواجهة مع إيران، متناسين أن أوروبا تخوض حرباً وجودية على حدودها منذ عام 2022، أدت إلى تحولات جذرية في عقيدتها الأمنية وإنتاجها العسكري.

إن "إسرائيل" تبدو اليوم عاجزة عن إدراك حقيقة أن أوروبا تتحول إلى كيان أكثر استقلالاً وأقل اعتماداً على الولايات المتحدة بعد أن شعرت بضعف الضمانات الأمنية التقليدية، وبدلاً من التكيف مع هذا الواقع، تدفع "الحكومة الإسرائيلية" الكيان نحو زاوية معزولة ومظلمة، فالمقامرة على بقاء "ترامب" أو استمرار الدعم الأمريكي المطلق هي مقامرة خاسرة على المدى البعيد، خاصة بعد أن قطعت "إسرائيل" جسور التواصل مع الحزب الديمقراطي، وإذا استمر هذا النهج المعادي للقيم الديمقراطية، فإن "إسرائيل" ستواجه قريباً رداً أوروبياً قاسياً قد يبدأ بالعقوبات الاقتصادية وإلغاء الشراكات الحيوية وينتهي بعزلة سياسية شاملة، حيث لم تعد المشكلة مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي انهيار للقيم الليبرالية المشتركة التي كانت تمثل الجسر المتين بين الكيان والقارة الأوروبية.

المصدر: صحيفة "هآرتس"/ "كسينيا سفيتلوفا"