كواليس عملية التضليل المخطط لها من قبل "دونالد ترامب"
ترجمة الهدهد
إن النقاش الدائر حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" يتصرف في الساحة الدولية، ولا سيما تجاه إيران، وفقاً لأنماط الحرب النفسية، ليس مجرد نقاش نظري، بل يساعد هذا النقاش على فهم سمة أساسية من سمات السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة، للوهلة الأولى يبدو سلوك "ترامب" فوضوياً ومندفعاً، لكن نظرة فاحصة تكشف عن أوجه تشابه مع أساليب الحرب النفسية المألوفة.
مع ذلك يجب الحذر من المبالغة في التفسير: فليست كل خطوة محسوبة بدقة، وأحيانًا يكون الأمر أقرب إلى الحدس منه إلى الاستراتيجية، ويُجسّد الإنذار الذي وجّهه "ترامب" لإيران - قبول الاتفاق أو "فتح أبواب الجحيم" - هذه الديناميكية خير تجسيد: فهو ليس مجرد تهديد عسكري، بل خطوة إعلامية نفسية تخلق حالة من الإلحاح والضغط.
إن أبرز سمات سلوكه هي خلق حالة من عدم اليقين، تتأرجح تصريحاته بين التهديد والحوار، وبين التصعيد وضبط النفس، وأحيانًا في تحولات حادة، بالنسبة للمعارضين، يُقوّض هذا التقلب القدرة على تكوين تقييم مستقر للوضع، ويُجبرهم على ردود فعل مستمرة، يُعدّ الخطاب المتطرف وسيلة لخلق توتر عاطفي، فالرسالة لا تقتصر على ما يُقال فحسب، بل تشمل أيضًا كيف ومتى، يندرج الإنذار الأخير ضمن هذا النمط: فهو يُسرّع عملية اتخاذ القرار لدى الطرف الآخر، بينما يزيد الضغط النفسي.
على النقيض من غموض بوتين المحسوب، يتسم غموض "ترامب" بالديناميكية والفوضى أحيانًا، وهنا تكمن المفارقة: فكلما ازداد الغموض، ازداد خطر الظهور بمظهر من يُنظر إليه على أنه مُزعزع للاستقرار، ويؤكد الإنذار القاسي لإيران هذا الأمر: فقوته عظيمة، لكن مصداقيته أيضًا محل شك.
في الصراع مع إيران بين عامي 2019 و2020، خلقت العقوبات والتهديدات شعورًا حقيقيًا بالخطر، ما دفع إيران إلى توخي الحذر، لكن مع مرور الوقت، وفي ظل نمط متكرر من التصعيد اللفظي دون تنفيذ عسكري، بدأ الجانب الإيراني في التعلم، فعندما يصبح عدم اليقين متوقعًا، يفقد تأثيره، وقد كسر اغتيال قاسم سليماني هذا النمط وأعاد عنصر الصدمة، ولكن بشكل مؤقت، كما تم فحص التهديد الأخير من خلال استحضار الأحداث السابقة والفجوات بينها، ويؤكد الرد الإيراني أن الحرب النفسية لا تؤثر على طرف واحد، فالحرس الثوري والنخب والرأي العام يستجيبون بشكل مختلف، وأحيانًا بشكل متناقض.
ثمة بُعد آخر جدير بالاعتبار، ألا وهو دور وسائل الإعلام العالمية في تضخيم الأثر النفسي، ففي عصر الشبكات الاجتماعية والتدفق الفوري للمعلومات، يُصبح كل تصريح لـ "ترامب" حدثًا إعلاميًا بالغ الأهمية، ويُشكّل الصدى الفوري والتفسيرات وردود الفعل ضغطًا إضافيًا على صُنّاع القرار في إيران، كما يزيد من خطر سوء الفهم والتصعيد غير المُخطط له، وهكذا، لم تعد الحرب النفسية تُشنّ بين الحكومات فحسب، بل في ساحة عامة مفتوحة، حيث يُصبح الرأي العام أيضًا لاعبًا فاعلًا يُؤثر في عملية صنع القرار.
نجح "ترامب" في إرباك خصومه، لكنه كشف أيضاً عن محدودية استخدام عدم اليقين كأداة استراتيجية، ويُجسّد هذا التطور الأخير، الذي انتقل فيه "ترامب" من التهديد بـ "أبواب الجحيم" إلى اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار في فترة وجيزة، هذه الديناميكية، فمن جهة، تُفاقم هذه الخطوة حالة عدم اليقين وتُصعّب على الخصوم بناء توقعات مستقرة؛ ومن جهة أخرى تكشف عن حدود النظام - فعندما يصبح الانتقال من التصعيد إلى الاحتواء نمطاً سائداً، حتى ما هو غير متوقع يبدو مألوفاً.
المصدر: "معاريف"/ "د. موشيه إيلاد"