ترجمة الهدهد

مقال رأي

يواجه مفهوم "السيادة الإسرائيلية" اختباراً وجودياً غير مسبوق، مع تزايد التدخلات الأمريكية المباشرة في القرارات العسكرية والسياسية الداخلية، فقد أعلن الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" مؤخراً وقف إطلاق النار في لبنان بكلمة مقتضبة "كفى!"، متجاهلاً القيود السياسية لـ "رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو"، ومؤكداً سلطته المطلقة على "المسارات العملياتية الإسرائيلية"، وهو نمط تكرر في إدارة الحرب في غزة وملف إيران.

لم تعد هذه التبعية محصورة في الجانب العسكري؛ إذ يمتد التدخل الأمريكي ليشمل صلب "النظام المؤسسي الإسرائيلي"، وتتجلى هذه الحالة في ضغوط "ترامب" المكثفة على "الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ" لإصدار عفو عن "نتنياهو"، وسط حملة تشهير أمريكية تطال رموز "القضاء الإسرائيلي"، في وقت يبدو فيه "نتنياهو" مستعداً للتضحية بالاستقلال المؤسسي مقابل حماية بقائه السياسي الشخصي، متبنياً مبدأ أن "وجود الدولة أهم من استقلالها".

تاريخياً، لم تكن "إسرائيل" مستقلة تماماً في قراراتها الأمنية، مستندةً دائماً إلى جسور جوية ومساعدات أمريكية، بدءاً من حقبة "أيزنهاور" و"نيكسون" وصولاً إلى حرب أكتوبر 2025، ومع ذلك فإن التحول اليوم يكمن في حجم الاعتماد الاقتصادي والعسكري؛ حيث وصلت المساعدات الأمريكية إلى ذروتها بتخصيص مليارات الدولارات لدعم أنظمة الدفاع الصاروخي وتمويل الحرب، مما يجعل التطلع للاستقلال الاقتصادي بعيد المنال، رغم تصريحات "نتنياهو" الطموحة بإنهاء هذه المساعدات خلال عقد.

أمنياً، تعاني "إسرائيل" من استنزاف حاد بعد سنوات من الحروب، حيث وجدت نفسها في كثير من الأحيان تحت حصار دبلوماسي دولي، مما جعلها تعتمد كلياً على الترسانة والغطاء المالي الأمريكي.

هذه التبعية جعلت من "السيادة الإسرائيلية" مقيدة إقليمياً ودولياً، مما يثير نقاشاً حاداً في الولايات المتحدة حول ما إذا كان "نتنياهو" يجر واشنطن لصراعاتها، أم أن "إسرائيل" تحولت عملياً إلى دولة تابعة في إدارة ملفاتها الخارجية.

يبقى "الاستقلال المؤسسي" هو الحصن الأخير الذي يقف اليوم على المحك.

ويشكل قرار الرئيس "هرتسوغ" بشأن طلب العفو عن "نتنياهو" لحظة فارقة؛ فإما أن ينتصر لمبدأ استقلال القضاء وسيادة مؤسسات "الدولة"، أو يرضخ للضغوط التي قد تفرغ "عيد الاستقلال" من معناه، فالمعركة التي تخوضها "إسرائيل" اليوم ليست مجرد صراع وجودي ضد أطراف خارجية، بل هي صراع على هوية الدولة ومدى قدرتها على صون سيادتها ومؤسساتها من التآكل.

المصدر: "ذا ماركر"/ "سامي بيرز"