ترجمة الهدهد

تثير لافتة ضخمة رُفعت مؤخراً أمام مقر رئاسة كيان العدو في القدس المحتلة، يحمل نصها شعار "كل ما نقوله هو: امنحوا السلام فرصة"، نقاشاً استراتيجياً عميقاً حول زيف الوعود الدولية وصيغ التهدئة التي لا تجلب سوى الويلات للشعوب.

إذ يرى مراقبون أن العبارة المقتبسة من الأغنية السياسية القديمة للفنان "جون لينون" ضُد حرب فيتنام، ما هي إلا تعبير تجميلي يهدف لتمرير صفقات مشبوهة قائمة على منطق الاستسلام والتخلي؛ فبينما يطالب البعض بمنح القوى المحيطة "فرصة"، أثبتت الوقائع التاريخية أن هذه التفاهمات لم تكن يوماً طريقاً للعدالة أو لإنصاف حقوق الشعوب، بل انتهت دائماً بتعميق الأزمات واشتعال حروب جديدة.

ويربط التحليل بين النفاق السياسي الدولي الراهن والمصير التاريخي الذي آلت إليه فيتنام الجنوبية؛ فحين انصاعت الإدارة الأمريكية للمطالب الشعبية بإنهاء دعمها لعملائها هناك، قاد ذلك الانسحاب المفاجئ إلى معارك دموية طاحنة وصور مأساوية للعملاء وهم يتساقطون من الطائرات المروحية.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان المقولة الشهيرة لمستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق "هنري كيسنجر" عام 1968 في تحذيره للرئيس "نيكسون": "من الخطورة أن تكون عدواً لأمريكا، ولكن من المميت أن تكون صديقاً لها"؛ وهو السياق الاحتلالي المتكرر الذي تجسد لاحقاً في تخلي واشنطن السريع عن عملائها في أفغانستان لمصلحة حركة "طالبان"، وبالمثل حين تخلى "العدو الإسرائيلي" عن أدواته من مقاتلي جيش سوريا، وصولاً إلى إخلاء مستوطنات قطاع غزة عام 2005 تحت وطأة المقاومة، مما يثبت أن المغامرات والمقامرات السياسية للقوى الكبرى تنتهي دائماً بترك عملائها لمصيرهم المحتوم.

وعلى صعيد المشهد الإقليمي الحالي، تسيطر حالة من الركود والترقب في أروقة العدو تزامناً مع تبلور اتفاق غير واضح المعالم بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم تخوف قادة العدو من هذا الاتفاق، إلا أن التحليلات تشير إلى أن الهدف النهائي المشترك بين واشنطن و"تل أبيب" يظل ثابتاً ويرتكز على استهداف وتفكيك منظومات المنطقة؛ حيث لا يُتوقع من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" أن يكون "بريثاً" أو مهادناً، بل تتمحور خططه بعيدة المدى حول فرض "استسلام غير مشروط" على طهران يتضمن محاولات مستمرة للإطاحة بنظامها، وهو ذات السيناريو العدواني الذي ألمح إليه رئيس حكومة العدو "بنيامين نتنياهو" في مؤتمره الصحفي الأخير؛ مما يؤكد أن الطرفين الأمريكي و"الإسرائيلي" قد لا يلتزمان ببنود الاتفاق إذا ما لاحت فرصة لتصفية الخطر الإيراني بالكامل.

ويسلط المقال الضوء على عمق الانتهازية والصراعات الداخلية الناشئة في بيئة "السياسة الإسرائيلية"؛ حيث ينبري قادة "الأحزاب الإسرائيلية" المتعطشون للسلطة لاستغلال تفاصيل الاتفاق الأمريكي-الإيراني وتوظيفه كأداة للمناكفة السياسية، متسائلين أولاً: "ماذا سأجني من هذا ضد نتنياهو؟"، سعياً وراء حساباتهم الشخصية وحلم الوصول إلى كرسي رئاسة الوزراء.

ويخلص التحليل إلى التحذير من مغبة الثقة المطلقة في التقلبات الأمريكية، موجهاً رسالة تحذيرية صريحة لإدارة "ترامب" بضرورة الكف عن خوض المقامرات الاستراتيجية التي يدفع ثمنها حلفاء واشنطن، تأكيداً على القاعدة التاريخية بأن الاعتماد على الوعود الأمريكية يمثل دوماً مقامرة خاسرة.

المصدر: "معاريف"/ "مئير عوزئيل"