تقرير: السيطرة على شمال الضفة هو الهدف
ترجمة الهدهد
تشهد شمال الضفة الغربية تسارعاً ملحوظاً في تنفيذ مشروع استيطاني بعيد المدى، تقوده حركات المستوطنين المتطرفين وتجني من خلاله تمثيليتها في "حكومة نتنياهو" مكاسب سياسية بارزة.
وقد بدأت ملامح هذه "المعركة" تتشكل فور أداء الحكومة اليمينية المتطرفة لليمين الدستوري، ثم تضاعفت وتيرتها بشكل حاد بعد أحداث 7 أكتوبر، في ظل تسهيل ودعم مباشر من قِبَل جيش العدو.
يكمن جوهر هذه التحركات في إعادة بناء المستوطنات التي تم إخلاؤها سابقاً خلال خطة الانفصال عام 2005.
وفي منطقة مأهولة بالسكان الفلسطينيين لم يشهدوا فيها تواجداً إسرائيلياً طوال 20 سنة الماضية، تمكن المستوطنون من السيطرة على 18 موقعاً استراتيجياً جديداً، مما يهدد استمرار وتواصل حياة الفلسطينيين في المنطقة.
وتشمل خطة العودة هذه نشر تعزيزات عسكرية، وإنشاء قواعد لحماية البؤر الجديدة، وشق طرق بديلة، ومصادرة الأراضي، وسط تحذيرات كبار ضباط الجيش من أن هذه الخطوات قد تشعل فتيل التوتر؛ في حين يرى المستوطنون في ذلك بداية "الخلاص".
يعيش في شمال الضفة الغربية أكثر من 720 ألف فلسطيني في هدوء نسبي مقارنة بالمناطق الأخرى، خاصة بعد أن أخلت حكومة العدو عام 2005 أربع مستوطنات معزولة كان يقطنها عدد قليل من المستوطنين.
لكن سلسلة من القرارات الدراماتيكية التي اتخذتها "حكومة نتنياهو" المتطرفة غيرت هذا الواقع؛ حيث سمح إلغاء قانون الانفصال في مارس 2023 للمستوطنين بالعودة إلى عمق التجمعات الفلسطينية.
وبالفعل تمت إعادة توطين مستوطنتي "حومش" و"سانور"، وتجري الاستعدادات لتوطين مستوطنتين إضافيتين هما "غانيم"، التي ستستقطب خريجي مدرسة "بني دافيد – عيلي" الدينية، و"كاديم" التي ستستقر فيها نواة دينية قادمة من "تل أبيب"، وبمساحات تفوق ما كانت عليه في السابق، ولم تتوقف الخطة عند المستوطنات الأربع السابقة، بل وافقت حكومة العدو على إقامة 14 مستوطنة جديدة لتعميق تجزئة الفضاء الفلسطيني وحصاره من كافة الجهات.
انطلق هذا المشروع الضخم من مستوطنة "حومش" التي شكلت رمزاً للنضال السياسي للمستوطنين.
وعلى مدار سنوات، تعمد أعضاء حركة "حومش أولاً" انتهاك القوانين والدخول إلى المنطقة المحظورة، وتمكنوا تدريجياً من الضغط على "الكنيست" وتغيير الواقع الميداني برغم المخاطر الأمنية التي شهدتها المستوطنة إبان الانتفاضة الثانية.
واليوم لم يقتصر الأمر على إقامة مدرسة دينية وموقع عسكري، بل امتدت المستوطنة لتشمل مباني سكنية وطرقاً جديدة تبعد نحو 220 متراً فقط عن القرى الفلسطينية المجاورة، وفي السياق ذاته، تم توطين مستوطنة "سانور" في أبريل الماضي بحضور وزراء بارزين مثل وزير القضاء المتطرف "ياريف لفين"، والمدير العام لجمعية "أمانة" الاستيطانية "زئيف حيفر"، ورئيس المجلس الإقليمي "يوسي دغان".
ترافق هذا التوسع مع إقامة بؤر استيطانية عشوائية تهدف إلى طرد الفلسطينيين من أراضيهم وتقويض اتفاق "أوسلو"، وأبرزها بؤرة "شير شلوما" (المعروفة بـ "شوفا يسرائيل")، وهي امتداد لمستوطنة "حومش".
وتظهر صور الأقمار الصناعية بوضوح تسارع البناء في هذه البؤرة، والتي شهدت توتراً حاداً في مارس الماضي إثر مواجهة في قرية "بيت أمرين" أدت إلى مقتل أحد المستوطنين. وعقب الحادثة، قدم رئيس وزراء العدو تعازيه لعائلته، بينما شن المستوطنون حملات ارهابية واسعة واقتحموا أكثر من 20 موقعاً في الضفة الغربية، واعتدوا على المواطنين الفلسطينيين وأحرقوا ممتلكاتهم وسياراتهم، مما دفع سكان القرى مثل "سيلة الظهر" و"جالود" إلى العيش في ذعر دائم وبناء جدران لحماية عائلاتهم.
يتواجد حالياً ما لا يقل عن 9 بؤر استيطانية في شمال الضفة الغربية تؤدي إلى تدهور حاد في ظروف حياة الفلسطينيين، عبر منعهم من الوصول إلى حقولهم، وإقامة الحواجز، ومنع البناء، واقتلاع الأشجار، ووصل الأمر بمستوطني "سانور" إلى إجبار سكان قرية "عساسة" على نبش جثة رجل مسن ونقلها لدفنها في مكان آخر.
بالإضافة إلى ذلك، يتسبب الوجود الاستيطاني في ازدحام خانق على الطرق الرئيسية وتسيير دوريات بمركبات مصفحة؛ ووفقاً لتقارير صحيفة "هآرتس"، فإن كبار الضباط يرون في هذه الخطوة عبئاً أمنياً ثقيلاً يتطلب استنزاف قوات كبيرة لتأمين الطرق وحماية العائلات، في وقت يعاني فيه جيش العدو من الإنهاك في غزة ولبنان وسوريا والحدود الأردنية.
وتزامناً مع ذلك أشار قائد قيادة المنطقة الوسطى بجيش العدو في جلسات مغلقة إلى تغيير استراتيجي مرتقب في شمال الضفة الغربية قد يفرض إعادة تقسيم المهام العسكرية بالمنطقة.
وتجسيداً لهذا التوسع، يجري العمل على بناء وتطوير قواعد عسكرية جديدة في المنطقة؛ إذ يعاد بناء مقر اللواء المسؤول عن جنين على "تل دوتان" قرب قرية "عرابة"، إلى جانب إنشاء قاعدة في "سانور" على بعد 50 متراً فقط من منازل المواطنين، وقاعدة أخرى في "حومش" وقرب مدخل "غانيم" ومستوطنة "غودار".
وتتكامل هذه التحركات العسكرية مع استراتيجية تدمير مخيمات اللاجئين، والتي وصفها وزير الدفاع "إسرائيل كاتس" بأنها دفيئات ممولة من الخارج. ففي مخيم جنين -المجاور لمستوطنة "كاديم" والذي يضم أكثر من 12 ألف لاجئ تشرف عليهم وكالة "الأونروا"- استخدم جيش العدو أساليب تدمير واسعة النطاق شملت تفجير مئات المباني وتجريف البنية التحتية لشق طرق عريضة تسمح بمرور الدبابات، مانعاً السكان من العودة حتى الآن تحت شعار "تعزيز الأمن".
ولم يقتصر الدمار على جنين، بل امتد ليشمل مخيمات أخرى في شمال الضفة؛ حيث تعرض 55% من مباني مخيم "نور شمس" و37% من مباني مخيم "طولكرم" للدمار أو الأضرار الجسيمة وفقاً لتوثيق مراكز الأمم المتحدة الفضائية.
وأجبرت هذه العمليات أكثر من 32 ألف فلسطيني على النزوح القسري، فيما اعتبرته "الأونروا" أكبر عملية تهجير قسري في الضفة الغربية منذ عام 1967، ووصفتها منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأنها جريمة ضد الإنسانية.
وتأتي هذه الخطوات إثر تحول نظرة قيادة العدو للضفة كجبهة حرب مفتوحة، وتحديداً بعد إطلاق عملية "الجدار الحديدي" في يناير 2025، حيث صرح قائد المنطقة الوسطى في جيش العدو "آفي بلوط" بأن الهدف هو "تشكيل الفضاء" وتخفيف أوامر إطلاق النار عبر استراتيجية هجومية مكثفة أدت في كثير من الأحيان إلى مقتل مدنيين وأطفال أبرياء، كما حدث في واقعة إطلاق النار على عائلة كاملة أثناء تسوقها في "نابلس".
في نهاية المطاف، تداخلت المبررات العسكرية والأمنية بشكل كامل مع الأهداف الاستيطانية بعيدة المدى.
ويظهر هذا بوضوح في تصريحات وزير المالية والوزير في وزارة الجيش المتطرف "بتسلئيل سموتريتش" عند انطلاق عملية "الجدار الحديدي"، حيث أكد أن تغيير الرؤية الأمنية في الضفة الغربية واجتثاث المقاومة هما جزء من الأهداف السياسية التي فرضها حزب "الصهيونية الدينية" لجعل المستوطنات الحزام الأمني الحقيقي للكيان.
ويتعزز هذا التوجه من خلال الاندماج العميق بين المؤسسة العسكرية وحركة الاستيطانية، وهو ما يتجسد في تعيين خريجي المدارس الدينية في مناصب قيادية حساسة؛ وعلى رأسهم قائد قيادة المنطقة الوسطى بجيش العدو والحاكم الفعلي للضفة الغربية، اللواء "آفي بلوط"، الذي يقطن في مستوطنة "نفيه تسور" وهو أحد خريجي أكاديمية "عيلي" التأهيلية.
"هآرتس"/ "يردين ميخائيلي"، "متان غولان" و"ينيف كوفوفيتش"