كيف يهرب "الإسرائيليون" من مواجهة جرائمهم في غزة؟
ترجمة الهدهد
بعد مرور 33 شهراً على أحداث 7 أكتوبر، خيم صمت مريب وتجاهل تام داخل "المجتمع الإسرائيلي" حيال الجرائم الفظيعة المرتكبة في قطاع غزة.
ورغم مثول "إسرائيل" أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية، وصدور مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بحق رئيس الوزراء "نتنياهو" ووزير جيشه السابق، فضلاً عن طلب مذكرات سرية بحق وزراء آخرين وقادة عسكريين، إلا أن النقاش العام داخل "إسرائيل" يفضل نسيان هذه الحقائق والانشغال بالصراعات السياسية وصيف الانتخابات. وتساهم وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية التابعة "الإسرائيلية" في هذا النسيان الممنهج عبر حجب الواقع، لتبدو غزة غائبة عن الأنظار تماماً.
وعلى الأرض في قطاع غزة، تشير الأرقام المروعة ــ التي أقر رئيس أركان الجيش "هرتسلي هاليفي" بأنها طالت أكثر من 10% من السكان بين قتيل وجريح ــ إلى ارتقاء أكثر من 73 ألف شخص، وإصابة أكثر من 173 ألفاً آخرين، من بينهم ما لا يقل عن 20 ألف طفل، في حين تؤكد التقديرات الصحفية أن الحصيلة الحقيقية تتجاوز 100 ألف شهيد، ارتقى أكثر من ألف منهم خلال فترة "وقف إطلاق النار" الحالية.
وترافق هذا القتل مع تدمير ممنهج ومكتمل الأركان؛ حيث دمرت قوات الجيش 81% من مباني القطاع، و90% من بنية الطاقة، و74% من الطرق، و88% من شبكات المياه، بالإضافة إلى تدمير المنظومة الصحية بالكامل مما أدى إلى هبوط متوسط العمر المتوقع للفلسطينيين هناك إلى النصف.
ولتعميق المعاناة، منعت "السلطات الاسرائيلية دخول الغذاء لشهور مما تسبب في مجاعة حقيقية، وحتى عند السماح بعبور المساعدات عبر "صندوق إغاثة غزة" المشترك مع أمريكا، تحول الأمر إلى مصيدة تسببت في مقتل 2600 فلسطيني وإصابة 20 ألفاً أثناء محاولتهم الحصول على القوت.
يتزامن هذا الدمار مع سيطرة مطلقة للجيش على تدفق المعلومات، عبر منع الصحفيين من دخول القطاع بشكل مستقل منذ 33 شهراً وإخضاعهم لرقابة عسكرية صارمة.
وقد أنتجت هذه العزلة تعصباً أعمى أظهره استطلاع معهد "أكورد"، حيث يرى 62% من "الجمهور الإسرائيلي" أنه "لا يوجد أبرياء في غزة".
وتغذي "المؤسسات الإسرائيلية" هذا التطرف علناً؛ إذ أدار الجيش قناة سرية على "تيليجرام" تبث مشاهد تعذيب للفلسطينيين وعُين قائدها مديراً لمقر العلاقات العامة، كما كُرّم جندي تفاخر بتسوية غزة بالجرافات بإيقاد شعلة "الاستقلال".
وفي غضون ذلك، تحول نظام "السجون الإسرائيلية" إلى ثقب أسود يحتجز أكثر من 4500 فلسطيني تحت بند الاعتقال الإداري أو "المقاتلين غير الشرعيين" دون تهم أو حقوق، مما أسفر عن استشهاد أكثر من مئة أسير تحت التعذيب والاعتداءات الجنسية، في ظل قرار وافق عليه القضاء بمنع زيارات الصليب الأحمر لقرابة عامين ونصف.
وفي المقابل، تبدو آليات التحقيق الداخلي للجيش عاجزة ومتواطئة تماماً؛ إذ صرح رئيس الأركان "هاليفي" بأنه لم يجد من يقيده، وكتب ضابط رفيع مستعرضاً استخدام الأسرى كدروع بشرية ووصفهم بـ "العبيد"، لدرجة دفعت ضابط احتياط آخر للمطالبة بوضع حدود لأفعال جنوده.
وتكشف البيانات أن آلية التحقيق التابعة لهيئة الأركان تلقت نحو 4000 قضية انتهاك، لم تحقق إلا في 80 قضية منها فقط (أي 2%)، ولم تسفر عن تقديم سوى ثلاث لوائح اتهام هزلية؛ أُغلق أهمها وهي المتعلقة بأفراد "القوة 100" الذين ثبتت إساءتهم للأسرى، بل وأُعيدوا للخدمة وحظوا باعتذار رسمي من وزير الجيش.
ورغم توثيق الهيئات المستقلة لأكثر من 15500 حالة استهداف مباشر للمدنيين، فإن "المجتمع الإسرائيلي" في صيف 2026 يصر على طمس هذه الجرائم ونسيانها مجدداً.
المصدر: "هآرتس"/ "لي موردخاي"/ مؤرخ من الجامعة العبرية يقود مشروعًا شعبيًا لتوثيق الأحداث في غزة