الصراع الداخلي في إيران يهدد بتصعيد إقليمي بباب المندب
ترجمة الهدهد
"هآرتس"/ "تسفي باريل"
وجّه رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني، "محمد باقر قاليباف"، بياناً مطولاً وبليغاً حافلاً بالدعوات إلى وحدة الصف وطاعة القيادة، معتبراً أن النصر وتحقيق الحقوق يكمن في الموازنة بين العقلانية الدبلوماسية والمقاومة لفرض الإرادة وتقليل التداعيات الاقتصادية.
وحمل خطاب "قاليباف" رسالة شخصية وتلميحاً صريحاً لمراكز القوى المناهضة له حين أكد أنه كرس حياته لمحاربة العدو ولا يخشى الحرب أو الافتراءات والدمار، رغبة منه في الانضمام إلى رفاقه وقادته.
وتتجلى ضبابية وتعدد مراكز صنع القرار الإيراني في الهجوم الذي استهدف القواعد العسكرية الأمريكية في عُمان، والذي نُفذ بعد وقت قصير من مغادرة وزير الخارجية "عباس عراقجي" للعاصمة مسقط عقب مباحثات مطولة لحل أزمة الملاحة في مضيق هرمز.
ولم يتضح ما إذا كان هذا الهجوم قراراً مستقلاً من المجلس الأعلى للأمن القومي برئاسة "محمد باقر ذو القادر" –خليفة "علي لاريجاني" الذي اغتيل في مارس– أم أن وزير الخارجية كان على علم به، وما إذا كان "قاليباف" يبلّغ مسبقاً بتحركات الحرس الثوري أثناء انشغاله بمهام دبلوماسية حساسة.
ويتزامن هذا الغموض مع تساؤلات جوهرية حول موقع "مجتبى خامنئي" في إدارة الحرب، حيث يتحدث "قاليباف" باسمه، بينما يقتبس خصومه أيضاً تصريحات منسوبة للمرشد الأعلى لتأكيد مواقفهم المتبادلة.
ويرى "قاليباف" أن هذه المواجهات العسكرية تخدم إدارة الصراع الدبلوماسي وتعبّر عن سياسة الرد وعدم الخوف من القوة الأمريكية، مشدداً على أن الخط الفاصل بين الحرب والتفاوض يُحدد بناءً على المصالح الأمنية والوطنية التي يترك تقدير استخدام أدواتها وزمانها للقائد الأعلى والقائد الأعلى للقوات المسلحة.
لا يختلف هذا الموقف الإيراني كثيراً عن المقاربة التي يتبناها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، والذي يهدد بإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية للكهرباء والطاقة في إيران كوسيلة لإجبارها على العودة للمفاوضات وليس لتدمير النظام أو حضارته.
وتكمن المفارقة في أن الطرفين يقرّان بانتهاء صلاحية مذكرة التفاهم السابقة ويتبادلان الاتهامات بالانتهاكات، حيث تحتج إيران على تجديد العقوبات والضربات الأمريكية داخل حدودها، بينما تتهم واشنطن طهران باستهداف ناقلات النفط في الدول العربية، لكن استخدام مصطلح "الانتهاكات" يعكس تمسك الجانبين بالمذكرة كأصل لأي تفاوض مستقبلي.
ومع وضوح جهة اتخاذ القرار في واشنطن مقابل غموضها في طهران، فإن المنافسات السياسية الإيرانية تنذر بانزلاق الصراع إلى حرب شاملة؛ فبينما يدافع "قاليباف" سياسياً عن الدبلوماسية باعتبارها جزءاً من استراتيجية المقاومة ويواجه مطالب إقالته، يتصاعد تهديد إيراني بإصدار أوامر للحوثيين في اليمن لإغلاق مضيق باب المندب قبالة سواحلهم إذا هاجمت واشنطن منشآت الطاقة الإيرانية.
ورغم أن انتشار قوات الحوثيين في مواقع هجومية لا يضمن امتثالهم التام لطهران، إلا أن الحسابات العسكرية تفرض افتراض حدوث ذلك، وهو ما سيوجه الضربة الاقتصادية الأولى والرئيسية إلى المملكة العربية السعودية التي حوّلت خط أنابيب النفط العابر لأراضيها من شرق بقيق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر كشريان تصديري رئيسي بنحو 4 إلى 4.5 مليون برميل يومياً، حيث ستمنع القيود الملاحية في قناة السويس ناقلاتها العملاقة من العبور، ولن يتبقى أمامها طريق آمن سوى الممر الشرقي نحو آسيا المهدد هو الآخر في حال إغلاق المضيق.
ويكشف ملف باب المندب عن ثغرة خطيرة في إدارة المفاوضات الأمريكية؛ فعند مناقشة وقف إطلاق النار الشامل في أبريل، اشترط الإيرانيون تطبيقه على الجبهات كافة لاسيما لبنان، وقبلت واشنطن وفرضت التهدئة على "إسرائيل"، لكن "ترامب" لم يشترط انضمام الحوثيين واعتمد على اتفاق منفصل معهم في 6 مايو 2025 تعهدوا فيه بعدم مهاجمة السفن باستثناء "الإسرائيلية" أو المتجهة إليها.
غير أن الحوثيين اشترطوا تجاهل الاتفاق إذا ضُربت إيران، وهو ما ترجموه عملياً بالامتناع عن التهديد طوال حرب الـ 12 يوماً في يونيو 2025 قبل أن يستأنفوا هجماتهم في يوليو بإغراق سفينة ليبيرية، وهم يقفون الآن أمام معضلة انهيار وقف إطلاق النار الموقع مع السعوديين عام 2022، إثر قصفهم أهدافاً داخل المملكة رداً على ضرب مدارج مطار صنعاء؛ ورغم إعلان الحكومة اليمنية أن غارات المطار استهدفت منع هبوط طائرة إيرانية محملة بالسلاح، اتهم الحوثيون السعودية مباشرة بالهجوم لعدم امتلاك القوات اليمنية قدرات جوية، مما يضع الرياض أمام خيارين: إما المواجهة العسكرية المباشرة مع الحوثيين لحماية منشآتها، أو الضغط على "ترامب" لكبح جماح تهديداته ضد طهران.
وتعيش السعودية حالياً وضعاً خاصاً وغير مألوف؛ فمنذ أبلغ "محمد بن سلمان" الرئيس الأمريكي "ترامب" في مايو برفض استخدام الأراضي السعودية لشن هجمات، تحيد إيران الرياض تماماً عن ضرباتها الصاروخية التي شنها الحرس الثوري في 11 يونيو واستهدفت 18 هدفاً في الكويت والبحرين، وتكررت في 9 و12 يوليو لتطال الأردن وقطر والكويت والبحرين دون المساس بالمملكة.
ورغم أن السعودية ليست شريكاً فاعلاً في المفاوضات ولا تفرض شروطاً على إيران، إلا أنها تمارس نفوذاً قوياً على قرارات "ترامب"، وفي حال نفذ الأخير وعيده فلن تكون الرياض وحدها في المأزق، بل يمتد القلق الإقليمي إلى باكستان المسؤولية رسمياً عن إدارة المفاوضات بين واشنطن وطهران، والتي تخشى التورط في الصراع بموجب اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك التي تلزمها بالدفاع عن السعودية، ما جعل المصالح المشتركة بين دول الخليج وباكستان وإيران تبدو أقرب مما هي عليه مع الولايات المتحدة.
وفي المحصلة، يدرك أقطاب الإدارة الإيرانية كـ "قاليباف" و"عراقجي" والرئيس "مسعود بزشكيان" التداعيات السياسية والاقتصادية الكارثية لإغلاق باب المندب، لكن صراع النفوذ الداخلي يمنع أي طرف من التنازل عن أوراقه، مما يجعل الاتفاق محكوماً بنظام ضغوط غير متكافئة.
لقد تحررت إيران من القيود الخليجية بعد عجز دول المنطقة عن حمايتها من ضربات واشنطن و"إسرائيل"، ولم يعد لأي دولة عربية أو أوروبية نفوذ لإملاء التحركات عليها، في حين يجد "ترامب" نفسه محاصراً بالضغوط الإقليمية والمحلية والدولية؛ وهو ما يفسر تراجعه مراراً عن ضربات عسكرية وتمديد مهل التفاوض بطلب من باكستان أو السعودية أو قطر، أو بناءً على ذرائع وساطة توفرها إيران، بانتظار ما ستسفر عنه جهود نهاية الأسبوع لمعرفة ما إذا كان هناك وسيط جديد يمنح "ترامب" فرصة للتخلص من خطر اندلاع الحرب.