ترجمة الهدهد

تُعدّ "العتبة الانتخابية" من أكثر الأدوات السياسية التي تعرضت لانتقادات لاذعة في الحملة الانتخابية الحالية في كيان العدو، رغم أنها تُستحق الإشادة في بعض الجوانب.

ففي عام 2014، رفع "الكنيست" العتبة من 2% إلى 3.25%، أي عملياً من مقعدين أو ثلاثة إلى أربعة مقاعد، وكان حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة "أفيغدور ليبرمان" هو من دفع بهذا القرار لاعتقاده أن رفعها سيؤدي إلى إقصاء القوائم العربية من "الكنيست"، غير أن ما حدث كان عكس ذلك تماماً؛ إذ استند ممثل "ليبرمان" في لجنة الدستور "ديفيد روتيم" إلى حجتين لتأييد القرار: الأولى إجبار السياسيين على تعديل آرائهم وهي التي أخطأ فيها، والثانية تقليل الحالات التي تسيطر فيها فئة صغيرة على زمام الأمور وتبتز الجميع وهي التي أصاب فيها.

وقد اتحدت الأحزاب العربية وحصلت على 13 مقعداً بدلاً من التناحر، بعد أن وجههم "بنيامين نتنياهو" في الغرفة الخلفية لقاعة الجلسة العامة قائلاً لعضو "الكنيست" عن حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" "جمال زحالقة" ورفاقه: "لا تحاولوا إقناعي، بل أقنعوا ليبرمان".

وتكررت أزمة "العتبة الانتخابية" مجدداً في انتخابات عام 2022 حين خسرت الأحزاب ما يقارب 9% من الأصوات، وخرج حزب "ميرتس" من المنافسة لخصاصة 4000 صوت فقط، إلى جانب خرج حزب "البلد"، وهو الفشل الذي انعكس على الكتلة بأكملها؛ فلو دخل حزب "ميرتس" لما تمكن ائتلاف "نتنياهو" من حصد 64 مقعداً والصمود لأربع سنوات.

ولم يكن اللوم يقع على نسبة العتبة بقدر وقوعه على غطرسة وخطيئة كبرياء السياسيين؛ حيث رفضت زعيمة حزب "العمل" "ميراف ميخائيلي" تشكيل كتلة فنية مع "ميرتس" رغم تحذيرات المحيطين بها من تعريض الكتلة للخطر، مما أنهى مسيرتها السياسية، بينما أصر حزب "البلد" على الانتحار السياسي في صناديق الاقتراع لمجرد معاناة الأحزاب الأخرى.

وقد أسهمت دروس "ميخائيلي" وحزب "البلد" في تشكيل خطاب الحملة الانتخابية الحالية التي تصادم فيها اتجاهان: سأم عامة "الإسرائيليين" من السياسيين الحاليين وانجذابهم للوجوه الجديدة من جهة، وتعاملهم بريبة وعدم تسامح مع النفاق أو أي حزب استعراضي من جهة أخرى.

ويشمل هذا الاشمئزاز والاستياء العام كافة الأطياف؛ بدءاً من الشارع "الحريدي" الذي سئم من طبقة النشطاء التي تقوده وتخيب آماله، مروراً بحزب "الليكود" الذي انكشفت عيوب وزرائه وأعضائه الذين ذهبوا إلى أقصى الحدود وأفسدوا كل جزء منه خلال السنوات الأربع، وصولاً إلى أحزاب المعارضة التي كانت غير ذات صلة بالاحتجاجات وتفتقر للشجاعة لتفكيك الائتلاف، وانتهاءً بالأحزاب العربية التي وقفت عاجزة أمام ظاهرة "إيتمار بن غفير".

ولم يقتصر هذا الضيق والاستياء العام على الفشل في انتخابات 7 أكتوبر، أو استمرار الحرب دون حل، أو فقدان الحكم والأمن الشخصي وغلاء المعيشة وتدهور التعليم فحسب، بل إن كل ناخب بات يحمل أسبابه الخاصة للضيق ويأمل في وجوه جديدة حتى أولئك الذين يؤمنون بـ "نتنياهو" و"بن غفير" و"بتسلئيل سموتريتش" أو كتلة "يائير لابيد"، مما يفرض على قادة الأحزاب الاستجابة لضخ نسبة عالية جداً وربما قياسية من الأعضاء الجدد في "الكنيست" المقبل.

وعلى صعيد تشكيل القوائم، أُغلق باب تقديم قوائم جديدة عملياً مع تأسيس حزب "ياشار!" بزعامة "غادي آيزنكوت"، ليواجه أي حزب ظهر بعده جداراً من انعدام الثقة، حيث ظهر سياسيون مخضرمون مثل "جلعاد أردان"، و"يولي إدلشتاين"، و"هيلي تروبر"، و"يواز هيندل" وهم يقدمون منتجاً لا يجد من يشتريه؛ فأدرك "أردان" و"إدلشتاين" و"تروبر" خطأهم في الوقت المناسب بينما واصل "هيندل" المحاولة.

وتبيّن أن فكرة دخول مجموعة سياسيين لإجبار الحزبين الرئيسيين على تشكيل حكومة وحدة وطنية هي فكرة منفصلة عن الواقع والضرورة الديمقراطية؛ فلا يمكن كسر الاستقطاب بأربعة أصابع، وهي الحقيقة التي ساعدت "العتبة الانتخابية" الناخبين على فهمها.

وفي النهاية، يتبقى ثلاثة مرشحين يتأرجحون عند حافة "العتبة الانتخابية"؛ أولهم حزب "الصهيونية الدينية" بزعامة "سموتريتش" الذي سينقذه "نتنياهو" في حال قسوة الاستطلاعات عبر توجيه 27 ألف صوت من ناخبي "الليكود" في الضفة الغربية للتدفق نحو حزبه لإنقاذ اليمين والكتلة حتى لو كلف ذلك "الليكود" مقعداً.

وثانيهم حزب "عماخ يسرائيل" بزعامة "عوفر فينتر" الذي تلائم صفاته الرغبة بالوجوه الجديدة والزي العسكري لكن اهتمام الناخبين به تضاءل فور إعلانه التزامه بدعم "نتنياهو".

وأخيراً "بيني غانتس" الذي يحاكي تجربة استقطاب النجوم المخضرمين في نادي "مكابي تل أبيب" لكرة القدم موسم 2005/2006 (الجالاكتيكوس) أمثال "إيال بيركوفيتش" و"آفي نيماني" و"جيوفاني روسو" الذين انتهوا بهزيمة مذلة نتيجة بحثهم عن الرواتب وإرضاء الغرور؛ فالسياسيون كـ اللاعبين بحاجة إلى علاقات، وعدم رغبتهم بالانضمام لأي نادٍ آخر ينتهي بنهايات محزنة لولا اعتمادهم على المال العام.

المصدر: صحيفة "يديعوت أحرنوت"/ "ناحوم برنيع"