✍️ محمود مرداوي لا انتخابات مباشرة لرئيس الوزراء تُخرجها من الفراغ ولا انتخابات خامسة ينتج عنها تشكيل حكومة مستقرة. عامان ونصف ويعيش الكيان المحتل أزمة حكم وفراغ في ظل غياب حكومة مستقرة وعجز أربع جولات انتخابية متتالية عن تفويض حزب قادر على تشكيل حكومة مستقرة. دولة الاحتلال كان من أهم سمات نظام الحكم فيها الانتخابات النسبية والتي وضعت نسبة الحسم فيها 1% بقصد تمكين أكبر قدر ممكن من الأحزاب والفئات والطوائف والعرقيات للمشاركة في الحكومة لتحمل المسؤولية نظراً لحجم المخاطر والتحديات الوجودية التي بقيت تحوم فوق رأس هذا المشروع الإحلالي الاستيطاني ، فانعكس عن ذلك سمة مهمة في طبيعة نظام الحكم في ظل تعدد الأحزاب المشاركة في الحكومة ، غياب الخطط الاستراتيجية بعيدة المدى واعتماد الأحزاب في الحكومة على سياسات تكتيكية قريبة المدى في نتائجها حتى يشعر الجمهور الإسرائيلي بثمار هذه السياسة عند موعد الانتخابات المقبلة ، إلى درجة أن كيسنجر وصف سياسة الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة بالإطفائية التي تُحكم بالحرائق على غير موعد وتوقيت تضطر لإطفائها هنا وهناك . لكن في العقود الأخيرة حاولت الأحزاب الصهيونية رفع نسبة الحسم إلى 3 وربع لمنع العرب بشكل خاص والحريديم بشكل عام من تجاوز نسبة الحسم، لكن النتيجة كانت عكسية، فاجتمع العرب وتكتل الحريديم ونشأ النظام متعدد الأحزاب بعكس ما أنتجته الانتخابات في العقود الأولى لقيام دولة الاحتلال . تداعيات هذا التطور العجز عن تشكيل حكومة بأقل من 4-5 أحزاب، فمكن أحزاب الحريديم من ابتزاز الحكومات المتعاقبة في مطالب خاصة، وحتى أحزاب علمانية يمينية ويسارية مارست هذا الابتزاز في مقابل مشاركتها في الحكومة بعيدا عن المصالح العامة . في السنوات الثلاث الأخيرة في ظل غياب الثقة وشبه غياب اليسار وضعف الوسط وانقسام اليمين نشأ فراغ على مدار أربع جولات انتخابية لم تُمكن النتائج الأحزاب من تشكيل حكومة مستقرة، فنشأ فراغ في أداء مؤسسات الحكومة في ظل غياب الميزانية والخطط الاستراتيجية ، حيث بدأت الأزمة واستمرت بالتعمق ولا أفق للخروج منها، ففي أعقاب كل جولة انتخابات يعوَل على التي تليها لاستدراك ما الإخفاقات التي جاءت فيها، ثم ما يلبث المراقبون إلا ويجدوا أن المعضلة تعمقت وأفق الخروج أُسدلت، ففي الانتخابات الرابعة اتفق المراقبون على أنها ستكون الأخيرة استدراكا وإحساسا من الجمهور بالمسؤولية وبالتالي التأثير من خلال التصويت لصالح إنهاء حالة الفراغ، لكن النتيجة في الانتخابات الرابعة فتحت مباشرة أفقا للانتخابات الخامسة، وفي المشاورات والمباحثات بعد تكليف نتنياهو اتضح أن الانتخابات الخامسة لن تحل المشكلة ولربما ينتج عنها معضلة أكبر وأعمق، فبدأ التفكير بتغيير النظام السياسي من خلال سن قانون لانتخابات رئيس الوزراء من الجمهور بشكل مباشر ، علما أن هذه الطريقة جُربت في مطلع الألفية الثالثة ولم تنجح، خاصة إذا انتُخب رئيس الوزراء من حزب والأغلبية في الكنيست من أحزاب أخرى، فيصبح التعطيل سباتا وجمودا أعمق من الفراغ وعدم الاستقرار. حزب شاس قدم مشروع قانون لانتخاب رئيس الوزراء مباشرة من الجمهور، مشروع القانون هذا يستوجب تأييد 61 نائبا على الأقل حتى يصبح نافذاً، من الواضح أن نتنياهو هو من أوعز لأريه درعي بتقديم هذا الاقتراح لمشروع القانون. لكن فرص تمريره صعبة، نظرا لتميز نتنياهو من بين كل رؤساء الأحزاب بنسبة الاستطلاعات التي تمنحه الثقة كأنسب رئيس وزراء، الأمر الذي سيجعل غالبية الأحزاب تمتنع عن تأييد المشروع. إذن نتائج الانتخابات الرابعة للكنيست ال 24 لم تأت بنتائج تخرج الكيان من الأزمة، ولا الانتخابات الخامسة كما حصل في الأولى والثانية والثالثة والرابعة، لن تشق المسار باتجاه تشكيل حكومة مستقرة، وحتى مقترح شاس لمشروع قانون الانتخابات المباشرة لن يمرر بهذه السهولة، فدولة الاحتلال عالقة ولا زالت تعيش في حالة فراغ ، ستدفع ثمنها باستقرارها وضمان وجودها وإن تبدى للبعض أن إنجازاتها المتناثرة بالغة الأهمية بعمقها وحساسيتها ، لكنها استعراضية لا تراكم باتجاه ترسيخ سياسة تساهم في أمن واستقرار الكيان وضمان وجوده في المستقبل البعيد .