ترجمة الهدهد يديعوت أحرونوت/ أليكس فيشمان

فوجئ "بشار الحسين" ضابط استخبارات سوري من اللواء 90 المنتشر بالقرب من خط حدود مرتفعات الجولان، بمعرفة مدى شعبيته في وحدة المتحدث باسم "الجيش الإسرائيلي"، قبل نحو شهر ونصف اكتشف أن صورته موجودة على موقع  "المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي" أسفلها مكتوب تحذير مفصل باللغة العربية أو بتعبير أدق - لائحة اتهام وحكم.

الحسين الذي كانت رتبته نقيب عُرض هناك على أنه المحور الرئيسي الذي يربط مقر القيادة الجنوبية لحزب الله ،الذي يعمل في الجولان بالفيلق 1 للجيش السوري المسؤول عن الهضبة بأكملها، وقد اتهم بمساعدة حزب الله في مراقبة وجمع المعلومات الاستخبارية عن "إسرائيل" من المنطقة العازلة، في انتهاك واضح لاتفاقيات الفصل بين القوات وبتبادل المعلومات الاستخباراتية معهم حول "إسرائيل".

الرسالة كانت واضحة وهي أننا نعرفك ونعرف كل شيء عنك، والأفضل لك أن تقطع الاتصال برجال نصر الله، لكن الضابط السوري فضل التجاهل وبعد أيام قليلة في ساعة متأخرة من الليل تم محو مكتبه في قاعدة اللواء 90 على بعد حوالي عشرة كيلومترات شمال شرق القنيطرة من على الأرض، عندما أصاب صاروخ المبنى بدقة في وقت تم اختياره بعناية ويبدو أنهم قرروا عدم المس بالضابط السوري بل فقط تهديده وردعه، لذلك تم الهجوم عندما كان المكتب حالياً، ومنذ ذلك الحين لم يظهر النقيب حسين في المنطقة.

وأما ضابط المدفعية في اللواء 90 (الرائد) لبيب خضر، فقد هبطت عليه منشورات من الجو، حذرته بأن يبتعد عن المشكلات، جاء في الرسالة: "احرص على العودة إلى ديارك وإلى أسرتك بسلامة، واجعل عملك في بناء وطنك"، وصاحب توزيع المنشورات عمل عنيف، وبعد رؤية الموت أمام عينيه اختار أن يختفي من المنطقة.

هم ليسوا الوحيدين، فقد تلقى العديد من العسكريين السوريين رسائل مماثلة بطرق مختلفة وغريبة وفي الوقت نفسه تم إجراء عدد غير قليل من العمليات الموضعية في الجولان السوري، معظمها غير معروف، وهكذا تم تدمير نقاط المراقبة المشتركة بين حزب الله وجيش الأسد، عندما أقاموا نقطة مراقبة في المستشفى المهجور في القنيطرة، وهي منطقة منزوعة السلاح دمرتها "دبابات الجيش الإسرائيلي" وعادوا إليها مرارًا وتكرارًا، وفي كل مرة كان يتم تدمير النقطة.

عام انتخاب الأسد

العلاقة بين اللواء الأول السوري والمقر الجنوبي لحزب الله تحت قيادة اللبناني الحاج هاشم يُعرّفها الجيش الإسرائيلي بأنها "كالرحم المستأجرة"، فمن أجل اقتلاع حزب الله من هضبة الجولان يجب عزله عن الرحم السوري، وبالفعل كان قطع الحبل السري الخطوة الأولى في عملية هجومية بدأت قبل أكثر من عامين، بمبادرة من قيادة المنطقة الشمالية، وكانت تهدف إلى منع تمركز حزب الله والإيرانيين في هضبة الجولان.

وقد أوكلت عملية التنفيذ إلى الفرقة المناطقية "210" (فرقة هباشان) المنتشرة على الخط الحدودي في الجولان، في الأسبوع الماضي حصل قائد الفرقة العميد "رومان جوفمان" على وسام التقدير العملياتي من قبل رئيس الأركان، على روح المبادرة والتخطيط وقيادة سلسلة من العمليات الهجومية الفريدة التي أدت إلى إنجازات مهمة.

إلى جانب الغارات الجوية في جميع أنحاء سوريا المنسوبة إلى "إسرائيل" على مدار العامين الماضيين، تم تنفيذ عمليات برية على حدود مرتفعات الجولان تضمنت مئات العمليات السرية مصحوبة بنيران صواريخ متطورة ودقيقة، وكان هذا يشبه ماكينة جز العشب تعمل من خط الحدود وداخل الأراضي السورية وتهدف إلى إحداث تحول في تناسب القوة في الجولان.

وهو صورة مصغرة للمعركة الكبرى التي يديرها "الجيش الإسرائيلي" على الجبهة السورية منذ سنوات عديدة، وعلى وجه التحديد على خلفية الإنجازات التي حققتها "إسرائيل" في وقف السيطرة الإيرانية على سوريا، من المتوقع أن يكون هذا النشاط في عام 2022 أكثر كثافة من أجل الحفاظ على الزخم، وسيتم مهاجمة المزيد والمزيد من الأهداف التي تعود للنظام السوري، والتي تخدم المصلحة الإيرانية في إطار ممارسة الضغط على الأسد.

وبحسب تقديرات الوضع في "إسرائيل" فإن الرئيس السوري يقف الآن على مفترق طرق إما إعادة إعمار بلاده، أو الاستمرار في منح الإيرانيين حرية تنفيذ خططهم الاستراتيجية على الأراضي السورية.

"عام اختيار الأسد" هكذا تسميه "الاستخبارات الإسرائيلية" لكن "إسرائيل" ليست سوى لاعب واحد، وليس بالضرورة الأكثر نفوذاً - في منظومة الضغط على الأسد، ومصلحة "إسرائيل" في طرد الإيرانيين تتلاءم أولاً وقبل كل شيء مع مصلحة روسيا، التي تبحث عن طريقة لتقوية الجهات البراغماتية حول الأسد من أجل فتح سوريا على العالم الأوسع.

إن دول الخليج تضغط من أجل إخراج الإيرانيين من سوريا كشرط لتدفق الأموال، وتسعى مصر والأردن إلى إعادة سوريا إلى الجامعة العربية بشرط القضاء على النفوذ الإيراني، والأمريكيون مستعدون للتوصل إلى اتفاق مع الروس، ومغادرة المنطقة بشرط رحيل الإيرانيين أيضًا، في كل منظومة الضغط هذه تلعب "إسرائيل" دور المطرقة التي تضرب النظام، لذلك لا أحد يشكو من "الهجمات الإسرائيلية" على سوريا.

إن عوامل الضغط هذه ستعمل بجهد أكبر هذا العام، حيث يعتقد الجميع أن الأسد أصبح ناضجاً أكثر لاتخاذ  القرار، الرئيس السوري اليوم في ذروته؛ فهو هزم المتمردين، ويسيطر على ما يسميه سوريا الحيوية" (التي تشكل 60 إلى 70% من أراضي البلاد) وأعيد انتخابه رئيساً، والأهم من ذلك أنه حقق حلم سلالة الأسد الرطب بإحداث تغيير ديموغرافي كبير.

لقد غادر حوالي 3.5 ملايين شخص سوريا، وستة ملايين آخرين يقيمون داخلها كلاجئين معظمهم من المسلمين السنة والأقلية العلوية المهيمنة التي تحكم البلاد، والتي كانت تشكل في يوم من الأيام 11-12 % من سكان سوريا، تقدر الآن بحوالي ثلث السكان، هذه فرصة الأسد للبدء في إدارة البلاد كما يحلو له لكن الاستثمار اللازم لإعادة إعمار سوريا يقدر بحسب الأمم المتحدة بنحو 500 مليار دولار، ومع وجود نسبة 90% من الفقر و 70% من البطالة والبنية التحتية المدمرة، فإن سوريا غير قادرة على حمل مثل هذا المشروع بدون الأموال الكبيرة من العالم العربي، وهنا الإيرانيون يقفون لها مثل الشركة في الحلق.

إن نتائج "الجهد الإسرائيلي" في الجولان السوري واضحة بالنسبة لحزب الله فإن مرتفعات الجولان اليوم جبهة مجمدة، نصر الله لا يستثمر فيها القوى البشرية والموارد كما في الماضي، ويقول "مسؤولو الاستخبارات الإسرائيلية" بنصف ابتسامة إن السبب الوحيد الذي يجعل اللواء الجنوبي لحزب الله لا يزال منتشرًا في مرتفعات الجولان، حتى لو كان بالحد الأدنى من النشاط، هو أن نصر الله لا يريد أن يُنظر إليه على أنه يخضع للضغط "الإسرائيلي" وإلا لكان تراجع ورحل منذ زمن بعيد.

الأشخاص الذين خلف ملف 142..

عشية العملية التي بدأتها قيادة المنطقة الشمالية لوقف التمركز الإيراني في الجولان، كانت الصورة مختلفة تماما، في عام 2018 عاد الجيش السوري إلى هضبة الجولان تحت رعاية موسكو، فيما تعهد الروس "لإسرائيل" بالحفاظ على الهدوء في المنطقة وقطع "الجيش الإسرائيلي" العلاقات مع بعض الثوار الذين استعانوا به، وتعهد النظام السوري بمنح المتمردين حصانة من الملاحقة القضائية وببعض المزايا الاقتصادية، لكن لم يحدث أي شيء من ذلك، فقد انتقل بعض الثوار إلى شمال سوريا، وهاجر ثلث سكان الجولان السوريين البالغ عددهم 1.2 مليون نسمة معظمهم من السنة، ما أدى إلى تغيير التركيبة العرقية لسكان الجولان، ودخلت إيران وحزب الله إلى هذا الفراغ، كما قاموا بصب الأموال على سكان الجولان السوري وجندوهم لاحتياجاتهم، وبدأ "ملف 142" لحزب الله الذي يهدف إلى إنشاء بنية تحتية عسكرية في الجولان، منفصلة عن "المقر الجنوبي" للتنظيم في التبلور وينسبون إلى "إسرائيل" اغتيال قادة هذا التنظيم، ومنهم جهاد مغنية وسمير القنطار وآخرون، وانفجرت سيارات على ركابها الواحدة تلو الأخرى على طرق الجولان السوري، الإيرانيون وحزب الله فهموا بالضبط من كان من وراء ذلك، وبدؤوا في الظهور أقل فأقل على الطرق وفي المواقع العسكرية، كما قامت الوحدة 840 "الإرهابية" للعمل خارج البلاد التابعة للحرس الثوري بتجنيد نشطاء سوريين لتنفيذ "عمليات إرهابية" ضد "إسرائيل" مثل زرع متفجرات على الحدود.

إلى جانب النشاط العسكري بدأ حزب الله وإيران في الاستثمار في الأنشطة الاجتماعية لترسيخ جذورهم عميقاً في الجولان، لقد اشترى الإيرانيون ولاء قرى بأكملها، وحاولوا كسب ولاء السكان الدروز في مدينة السويداء -المدينة الرئيسية في جبل الدروز-، وقاموا بضخ الأموال هناك لإنشاء بنية تحتية مدنية، معتقدين أن قيام إيران بذلك سيفتح بابًا إلى الدروز في "إسرائيل" لكن القيادة الدرزية رفضتهم، فمع الأموال جاءت الجريمة وتجارة المخدرات، أما بين السنة فقد حققوا نجاحًا أكبر لدرجة أن بعض القرى السنية بدأت في إقامة الاحتفالات والطقوس الشيعية.

بالتوازي مع بناء المساجد والنشاط الديني والاقتصادي اشترى الإيرانيون أراضي وعقارات في الجولان على حساب ديون بنحو 80 مليار دولار تدين بها الحكومة السورية لطهران، بعض العقارات خصصت لتكون بمثابة مستودعات للأسلحة والمعدات العسكرية التي سعى حزب الله إلى نشرها في الجولان.

من أجل كبح هذا النشاط المكثف قررت "إسرائيل" القيام بعملية متدحرجة من القتال الشرس بهدف اقتلاع حزب الله والإيرانيين من هضبة الجولان، قبل أن تصبح النسخة السورية من جنوب لبنان، عشية العملية كان لا بد من إعادة بناء صورة استخبارية حديثة في الجولان، حيث حُذف جزء من هذه الصورة عندما قطع "الجيش الإسرائيلي" العلاقات مع السكان المحليين، وعاد الجيش السوري إلى المنطقة، وكان يجب تحديد عناصر حزب الله المندمجين في إطار الجيش السوري، مثل جواد هاشم نجل قائد اللواء الجنوبي والمسؤول عن نشاط التنظيم في منطقة الفرقة السابعة السورية والارتباط بها، وكان من الضروري تحديد مكان وجود أعضاء الوحدة الإيرانية 840 حيث يتواجد عناصر ملف 142 لحزب الله، ومن هم الأشخاص الرئيسيون في إدارة المعركة.

المحرك الأكبر لهذا النشاط يوجد فيما يسمى اليوم "قم الصغرى" وهي أحياء تقع جنوب دمشق بالقرب من المطار الدولي، والتي كانت جزءًا من الحكم الذاتي الإيراني في سوريا، منذ سنوات يتعامل سلاح الجو مع المستودعات والمقار وشحنات الأسلحة التي تصل إلى هناك بشكل روتيني تقريباً، ويتم التعامل مع المليشيات التي تصل إلى مرتفعات الجولان من قبل فرقة "هباشان"، ففي أغسطس الماضي تم اغتيال مدحت صالح، وهو درزي من مواليد مجدل شمس وكان أسيراً سابقاً في "السجون الإسرائيلية" وبعد الإفراج عنه عبر الحدود إلى سوريا وأصبح عضوًا في البرلمان، وصاحب حقيبة الجولان في حكومة الأسد.

في مرحلة ما بدأ العمل مع المخابرات الإيرانية وانخرط في إنشاء "خلايا تخريبية" وقتل برصاص قناص نصب له كمينا ظهراً قرب شقته العملياتية في عين التينة شمال هضبة الجولان، ولقد عين الإيرانيون بالفعل بديلاً له، لكن الرسالة وصلت، بالمناسبة خليفته أكثر حذراً منه بكثير.

مثل الأسد يواجه الإيرانيون معضلة هل يجب أن يقللوا من ظهورهم في سوريا أم يعمقوا من تغلغلهم؟ 

لقد بدأ الأسد بالفعل في توزيع قطع من كعكة إعادة الإعمار، وأعطى مشاريع للأتراك، وأعطى مشاريع للروس، ولم يبق للإيرانيين شيئًا تقريبًا، ما أثار غضبهم، فهل هذا يعكس تغييراً في الاتجاه بسوريا؟ ليس واضحاً درجة انخراط الخبراء الإيرانيين في مؤسسات الحكومة والجيش السوري، فقد تراجعت بشكل ملحوظ، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أفادت وسائل إعلام عربية أن القائد الإيراني لفيلق القدس الإيراني في سوريا "جواد غفاري" قد تم استبداله بناء على طلب الرئيس الأسد الذي رآه يجر "إسرائيل" إلى مهاجمة البنى التحتية للنظام في سوريا، البديل الذي أرسلته طهران إلى دمشق ليس بمرتبة سلفه نفسها، ومن المشكوك فيه ما إذا كان سيتمكن من إعادة بناء علاقة الثقة مع الأسد.

يتركز معظم النشاط الإيراني في سوريا حاليًا في ضواحي دمشق، وبدرجة أقل مما كان عليه في الماضي، حوالي 30% من المعدات التي تحاول إيران تهريبها عبر سوريا إلى لبنان تصل إلى وجهتها، لا يزال لدى إيران في سوريا ألوية شيعية من أفغانستان والعراق تعدادها يصل إلى حوالي 20 ألف شخص، وكذلك وحدات تستخدم الطائرات بدون طيار كتلك القادرة على إطلاق الصواريخ والقذائف الصاروخية من الأراضي السورية، بعض الوحدات مثل "سيف علي" و"ذو الفقار" يديرها عناصر من حزب الله وتعمل إلى جانب الجيش السوري، لذلك لا يزال لدى "إسرائيل" عدد غير قليل من الأهداف في سوريا.

علاوة على ذلك إذا كان سلاح الجو هاجم في الماضي بشكل أساسي أهدافًا محددة تتعلق بتهريب الأسلحة - مثل القوافل - ففي العامين أو الثلاثة أعوام الماضية كانت الأهداف تشمل البنية التحتية للنظام السوري التي تخدم المصلحة الإيرانية، وتعرض ميناء اللاذقية الذي يستخدمه الإيرانيون لنقل الأسلحة والمعدات للهجوم مرتين في الشهر الماضي وهو مانُسب إلى "إسرائيل" حسب أنباء أجنبية، الروس الموجودون في "قاعدة الحميميم" ليس بعيداً من هناك بقوا جالسين على الحياد فهم لا يريدون رؤية الإيرانيين في اللاذقية.

إذا وجد الإيرانيون أنفسهم في المجال العسكري معرضين للهجمات على الأراضي السورية وفي مرتفعات الجولان، فإنهم في المجال المدني يواصلون غرس الأوتاد في سوريا، حيث أصبح "مرج الزهور" في البادية السورية مدينة إيرانية، جنوب دمشق وهو في الواقع أراض إيرانية.

ألغى الأسد وظيفة المفتي السني في سوريا واستبدله بإنشاء مجلس حكماء تتمتع فيه الطائفة الشيعية الأقلية في سوريا بنفوذ كبير، وهناك تقارير تفيد بأن مساجد سنية في سوريا أصبحت تتبنى النهج الشيعي، لذا حتى لو خفّض الإيرانيون من ظهورهم العسكري في سوريا، فهذا سيكون إنجازا قصير المدى، الاستثمارات الإيرانية في المجتمع السوري هي لمدى طويل، وتحت تأثير النفوذ الإيراني الاجتماعي والثقافي والاقتصادي – فيما يشكل الجولان السوري مشكلة أمنية "لإسرائيل".